السودان.. لغز الثراء المنهوب ووطن (العطشى فوق ظهورهم الماء)

صحيفة الهدف

عادل أحمد محمد

يقول المثل السوداني العفوي: (البلد دي فيها كل شيء، لكن ما شفنا منها شيء). هذه الجملة ليست مجرد تعبير عن تذمر شعبي، بل هي توصيف دقيق لمعادلة اقتصادية وسياسية معقدة بدأت خيوطها تُغزل منذ عام 1989، حيث دخل السودان في نفق (النهب المؤسسي) الذي حوّل موارد البلاد من وسيلة لرفاهية المواطن إلى أدوات لتمكين السلطة وتمويل النزاعات.

ثقوب الذاكرة: أين ذهبت مليارات البترول؟
عاش السودانيون عقدًا من الزمان (1999 – 2011) على وقع طفرة نفطية ضخّت في خزينة الدولة مليارات الدولارات. في تلك الفترة، كان من المفترض أن تتحول هذه (الثروة الناضبة) إلى قاعدة إنتاجية مستدامة عبر تأهيل مشروع الجزيرة وتطوير الصناعات التحويلية. لكن الحقيقة كانت صادمة؛ فقد وُجهت عائدات البترول لتضخيم الجهاز الإداري الموالي للسلطة، وصُرفت في حروب استنزاف داخلية، ليجد المواطن نفسه بعد انفصال الجنوب في مواجهة اقتصاد (عريان) فقد أهم موارده دون أن يبني بديلاً.

الذهب.. الثروة التي تسكن الظلام
بعد البترول، برز الذهب كمنقذ للاقتصاد، والسودان يتربع على قائمة كبار المنتجين في إفريقيا. ومع ذلك، لا تزال خزانة البنك المركزي تعاني الخواء. أين يذهب الذهب؟ التقارير الدولية تشير إلى أن أكثر من 70% من إنتاج الذهب السوداني يُهرب عبر الحدود والمطارات بعيدًا عن أعين الدولة. لقد تحول الذهب من ثروة قومية إلى (اقتصاد خفي) تسيطر عليه مراكز قوى وشركات احتكارية، بينما يغوص المُعدّن البسيط في آبار الموت مقابل الفتات.

الثروة الحيوانية والزراعية: تصدير الخام واستيراد الجوع
يمتلك السودان أكثر من 100 مليون رأس من الماشية وأرضًا وُصفت يوماً بأنها (سلة غذاء العالم). لكن السياسات الممنهجة لتدمير القطاع الإنتاجي، وإهمال المزارع لصالح (الوسطاء والسماسرة)، جعلت السودان يصدر خيراته (خامًا) بأسعار زهيدة، ليعيد استيراد منتجاتها بأضعاف الأثمان. إن غلاء المعيشة الذي يطحن السودانيين اليوم ليس نتاج فقر الأرض، بل نتاج سياسات جعلت الإنتاج عبئًا والسمسرة مهنة.

الحرب: المحرقة الكبرى للموارد
لا يمكن الحديث عن نهب الثروات دون الإشارة إلى (ميزانيات الحرب). منذ 1989 وحتى الحرب الدائرة اليوم، استنزف الصرف العسكري والأمني الجزء الأكبر من الميزانية العامة، على حساب الصحة والتعليم والبنية التحتية. ثروات السودان لم تُسرق فقط عبر التهريب، بل أُحرقت في فوهة البنادق التي وُجهت لصدور أبناء الوطن الواحد.

إن أزمتنا اليوم ليست أزمة (ندرة)، بل هي أزمة (عدالة وتدبير). ثروات السودان المنهوبة كافية لأن تجعل من هذا البلد منارة للقارة الإفريقية، لكن استعادة هذه الثروات تبدأ من استعادة (الوعي الوطني) الذي يراقب ويحاسب ويضع مصلحة الوطن فوق مصلحة التنظيم أو القبيلة.

#السودان #الثروة_المنهوبة #الاقتصاد_السوداني #البترول #الذهب #الزراعة #الحرب_في_السودان #عدالة_اقتصادية #ملف_الهدف_الاقتصادي #الوعي_الوطني #السودان_الغني_المفقود

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.