جعفر سيد الخمجان
مقدمة:
الفساد كفلسفة سياسية متجسدة
في السودان، لا يُعدّ الفساد مجرد انحراف عن القاعدة، بل هو القاعدة ذاتها التي انحرفت عن فكرة الدولة. هذه العبارة تُلخّص مأساة فسادٍ تحوّل من ممارسة فردية إلى نظام حكم شامل. فبحسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2023 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، احتلّ السودان المرتبة 162 من أصل 180 دولة، بدرجة 20/100. غير أن الأرقام، وحدها، لا تكشف القصة كاملة. فالفساد السوداني ليس حالة طارئة، بل ميراث تاريخي معقّد، تتداخل فيه أنماط الحكم الاستعماري، وهشاشة الدولة الوطنية، واقتصاد الريع، وتفكك العقد الاجتماعي، في نسخة سودانية فريدة.
أولًا: جينيالوجيا الفساد (من الاستعمار إلى الدولة الوطنية)
1/ الاستعمار كمنظومة فساد مؤسسي:
لم يخترع الاستعمار الفساد في السودان، لكنه حوّله من ممارسات قبلية محدودة إلى نظام مؤسسي. فقد أسّس نظام الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري (1899–1956) لـ:
- مركزية بيروقراطية تخدم المصالح الاستعمارية.
- اقتصاد استخراجي يركّز على القطن كسلعة وحيدة (مشروع الجزيرة نموذجًا).
- تمايز اجتماعي بين «المسؤولين» و«الرعايا».
وبحسب تحليل د. منصور خالد، خلق الاستعمار ما يشبه «الدولة العميقة» قبل الاستقلال، لتكون بذرة لفساد لاحق.
2/ الدولة الوطنية: عندما يصبح الفساد وسيلة للبقاء:
بعد الاستقلال (1956)، تحوّل الفساد من خدمة المستعمر إلى أداة للسيطرة المحلية. فقد أرسى نظام الفريق إبراهيم عبود (1958–1964) تقليد «العسكرة الاقتصادية»، حيث تحوّلت المؤسسات العسكرية إلى مراكز لتراكم الثروة. غير أن التحوّل الحاسم جاء مع نظام جعفر نميري (1969–1985) وظهور اقتصاد المضاربة:
- تأميم البنوك والمؤسسات (1970).
- صعود طبقة «السماسرة» المرتبطة بالسلطة.
- فساد مشروع «المنحة الأمريكية» للقمح (1974)، حيث اختفت ملايين الدولارات.
وهكذا تحوّلت الدولة من حارس للصالح العام إلى مشروع شخصي للثراء.
ثانيًا: النظام الإسلاموي، الفساد كأيديولوجيا حكم (1989–2019)
1/ التمكين: الفساد المؤسسي المنظّم:
شكّل «برنامج التمكين» (1990–1999) نموذجًا فريدًا للفساد المنهجي. فبحسب تقرير لجنة تفكيك تمكين النظام البائد (2020)، شمل التمكين:
- مصادرة 5800 شركة ومشروع اقتصادي.
- توزيع 4.6 ملايين فدان زراعي على الموالين.
- تحويل 187 مؤسسة حكومية إلى القطاع الخاص تحت سيطرة الموالين.
ولم يكن التمكين فسادًا اقتصاديًا فحسب، بل فسادًا أخلاقيًا خلط بين المصلحة الخاصة والخطاب الديني.
2/ اقتصاد الريع: النفط والذهب والدم:
مع اكتشاف النفط عام 1999، تحوّل الفساد إلى اقتصاد نهب منظّم:
- عائدات النفط (1999–2011): نحو 94 مليار دولار.
- ما وصل إلى الخزينة العامة: 34% فقط.
- نحو 60 مليار دولار فُقدت في حسابات غامضة.
وبعد انفصال الجنوب (2011)، انتقل النهب إلى الذهب: - الإنتاج الرسمي (2019): 93 طنًا.
- الإنتاج الفعلي: 200–250 طنًا.
- اختفاء 157 طنًا عبر التهريب المنظّم.
3/ الفساد كثقافة: من الدولة إلى المجتمع:
الأخطر أن الفساد تحوّل من نظام حكم إلى ثقافة مجتمعية:
- الواسطة (المحسوبية) كوسيلة وحيدة للخدمات.
- الرشوة كـ«عادة» و«هدية».
- الفساد الصغير، حيث يصبح كل موظف «دولة مصغّرة».
ثالثًا: ثورة ديسمبر ومعضلة الفساد
1/ ثورة 2019: رفض ثقافة الفساد:
كانت انتفاضة ديسمبر (2018–2019) ثورة على ثقافة الفساد، وكان شعار «جوع» تعبيرًا عن الجوع للكرامة والعدالة.
2/ الفترة الانتقالية: إعادة إنتاج الفساد:
كشفت الفترة الانتقالية (2019–2021) أن:
- المؤسسة العسكرية سيطرت على نحو 80% من الاقتصاد.
- تفكيك التمكين اصطدم بكون المستفيدين 300 ألف أسرة.
- استمرار اقتصاد الحرب.
3/ الثورة المضادة: الفساد كأداة عودة:
استخدمت قوى النظام البائد الفساد لتمويل الميليشيات، وتقويض الحكومة، وخلق أزمات مصطنعة.
رابعًا: الحرب الحالية (2023 حتى الآن): الفساد في زمن الدمار
تحوّل الفساد إلى محرك مباشر للنزاع، حيث تُنهب الموارد، وتُسرق المساعدات، ويُبتزّ السكان، وتنهار حتى مؤسسات الفساد المنظّم.
خامسًا: القراءة الفلسفية: لماذا استمر الفساد؟
يرتبط الفساد بدولة ضعيفة، واقتصاد ريعي، وإعادة تعريف أخلاقي للخير والشر في سياق دولة فاشلة.
سادسًا: ما بعد الفساد، نحو أخلاقيات جديدة
رغم كل شيء، حافظ المجتمع على جيوب مقاومة أخلاقية، وأثبتت ثورة ديسمبر إمكانية التغيير، بشرط بناء عقد اجتماعي جديد قائم على الإنتاج، والمواطنة، والذاكرة النقدية.
الخاتمة:
الفساد في السودان ليس غيابًا للأخلاق، بل أخلاقيات مشوّهة وُلدت من رحم دولة مشوّهة. والتحدي ليس استعادة أخلاق نقية، بل بناء أخلاقيات جديدة تنبع من تجربة المعاناة والمقاومة. فالسودان، في النهاية، لا يبحث عن خبز القمح فقط، بل عن خبزٍ نظيف من الكرامة، والعدالة، والدولة التي تحمي ولا تسرق.

Leave a Reply