السودان والأمة العربية في مرآة الاقتصاد المكسور: في صميم الأزمة: عندما يصبح الانهيار الاقتصادي بوابةً لفلسفة وجودية جديدة

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

ليس الاقتصاد جداولَ أرقامٍ تُدار في غرفٍ مغلقة، ولا نشراتٍ تُتلى بلغةٍ محايدة تُخفي ما لا تريد قوله. الاقتصاد، في جوهره العميق، هو السيرة الذاتية للأمم؛ تُكتب لا بالحبر وحده، بل بتجارب الناس وعرقهم وكرامتهم، وبما يدفعونه من أثمان حين يُساء تنظيم علاقتهم بالموارد والسلطة. وهو المسافة الفاصلة بين الحلم وإمكان تحققه، وبين العيش الكريم والانحدار إلى حافة البقاء.

واليوم، حين ننظر إلى السودان، لا ننظر إلى استثناءٍ عربيٍّ عابر، بل إلى مرآةٍ مكسورة تعكس مسارًا عربيًا أطول وأعمق. فالانهيار الاقتصادي السوداني ليس حادثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لمسارٍ تاريخي تحوّل فيه الاقتصاد، تدريجيًا، من أداةٍ للتحرر والتنمية إلى أداةٍ للسيطرة والتبعية، ومن وسيلةٍ لبناء الدولة إلى آليةٍ لإضعافها من الداخل.

في السودان، لم يعد توصيف (الأزمة الاقتصادية) كافيًا لفهم ما يجري. ما نشهده هو تفككٌ بطيء لوظائف الاقتصاد الأساسية: فقدان العملة لقيمتها، وتآكل القدرة الشرائية، واختلالٌ عميق في الإنتاج والتوزيع، وانفصالٌ شبه كامل بين الجهد والعمل من جهة، والعائد المعيشي من جهةٍ أخرى. ومعدلات التضخم التي بلغت، في فتراتٍ سابقة، مستوياتٍ تجاوزت 300% لم تكن مجرد انحرافٍ رقمي، بل تعبيرًا عن انكسار الثقة بين المجتمع واقتصاده. أما سعر صرف الدولار، الذي يُقاس اليوم بآلاف الجنيهات، فلا يعكس فقط اختلالًا نقديًا، بل اختلالًا أعمق في معنى القيمة ذاته: قيمة العمل، وقيمة الادخار، وقيمة المستقبل.

وهنا يبرز السؤال الوجودي الذي يتجاوز الحسابات التقنية: ماذا يبقى من الدولة حين تفقد عملتها قدرتها على أداء أبسط وظائفها؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يصبح تأمين خبز اليوم مرهونًا بتقلبات الغد؟

السودان، بهذا المعنى، لا ينهار بمعزلٍ عن محيطه، بل يكشف جوهر ما يمكن تسميته بـ(العقلية الريعية العربية)، تلك التي ترسّخت عبر عقودٍ طويلة، وأعادت تعريف الثروة بوصفها شيئًا يُستخرج ويُوزَّع، لا قيمةً تُنتج وتُراكَم. عقليةٌ آمنت بأن الموارد الطبيعية يمكن أن تحل محل العقل المنتج، وأن الاستيراد يمكن أن يعوّض غياب التصنيع، وأن الولاء السياسي يمكن أن يكون بديلًا عن الكفاءة الاقتصادية.

في ظل هذه العقلية، تحولت الزراعة من مشروع سيادةٍ غذائية إلى قطاعٍ مُهمَل، وتحولت الصناعة من أفقٍ تنموي إلى عبء، وأُعيد دمج الاقتصادات الوطنية في السوق العالمية من موقع التابع لا الشريك. والسودان، بما يملكه من موارد زراعية ومائية وبشرية هائلة، يقدّم اليوم الدليل الأكثر قسوة على هذه الحقيقة: فالدولة التي تبيع مواردها الخام دون أن تبني قاعدةً إنتاجية، لا تفقد فقط فائضها الاقتصادي، بل تفقد قدرتها على تقرير مصيرها.

الأخطر من ذلك أن الانهيار الاقتصادي لا يبقى محصورًا في المؤشرات الكلية، بل يتسرّب إلى بنية المجتمع ذاتها. فحين ينهار الاقتصاد، تنتقل المجتمعات من منطق (اقتصاد الحياة) إلى منطق (اقتصاد البقاء). في الأول، يكون السؤال: كيف نحسّن شروط العيش؟ كيف نوسّع إمكانات الإبداع؟ كيف نراكم الأمل؟ أما في الثاني، فينكمش السؤال إلى حدّه الأدنى: كيف نصمد اليوم؟ وكيف نؤجل الانهيار إلى الغد؟

في السودان، تتجلى ملامح اقتصاد البقاء بوضوحٍ مؤلم: هجرة الكفاءات ليست خيارًا، بل هروبًا من اقتصادٍ لا يكافئ المعرفة؛ وبيع الأرض ليس استثمارًا، بل انسحابًا قسريًا من دورة إنتاج لم تعد قادرة على إعالة أصحابها؛ أما التكافل الاجتماعي، الذي كان قيمةً أخلاقية راسخة، فيتحول إلى آلية تعويض عن غياب الدولة والاقتصاد معًا.

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا الواقع لا يعكس فقر الإمكانات، بل فقر الرؤية. فالسودان ذاته كان، في لحظةٍ تاريخية، مشروعًا محتملًا للنهضة الزراعية الصناعية في العالم العربي. ولم يكن مشروع الجزيرة، في جوهره، مجرد نشاطٍ إنتاجي، بل محاولةً مبكرة لربط الأرض بالمعرفة، والإنتاج بالتنمية الاجتماعية. غير أن هذا المسار قُطع، لا بفعل القدر، بل بفعل سياساتٍ حوّلت الاقتصاد إلى أداةٍ للريع والاحتكار، لا للتنمية والعدالة.

ومع انهيار الاقتصاد، تتصدّع منظومة القيم. فالعلاقة بين قيمة العملة وقيمة الأخلاق ليست مجازًا، بل واقعًا اجتماعيًا ملموسًا. حين يفقد الجهد معناه، تفقد النزاهة سندها المادي، وحين يصبح البقاء مهددًا، تُدفع المجتمعات إلى إعادة تعريف المقبول والمرفوض. لا لأن الأخلاق تنهار بطبيعتها، بل لأن الاقتصاد، حين ينهار، يضع الإنسان أمام اختبارٍ قاسٍ بين القيم والحياة.

من هنا، لا يمكن التفكير في الخروج من المأزق السوداني والعربي دون إعادة تعريفٍ جذرية للاقتصاد ذاته: من اقتصادٍ ريعي إلى اقتصادٍ إنتاجي، من تبعيةٍ للأسواق الخارجية إلى سيادةٍ على القرار الاقتصادي، من منطق الاستهلاك إلى منطق الابتكار، ومن اقتصادٍ يُدار لخدمة قلة إلى اقتصادٍ يُبنى لخدمة المجتمع بأسره. هذا ليس خيارًا أيديولوجيًا، بل شرطًا وجوديًا لبقاء الدولة والمجتمع.

في هذا السياق، يصبح الاقتصاد فعلًا أخلاقيًا بقدر ما هو فعلٌ تقني. فهو إما أداة مقاومة للفقر والتبعية والتهميش، أو أداة استسلام لمنطق السوق المعولم، وشروط المؤسسات المالية، وقوانين القوة. والسودان، اليوم، يقف عند هذا المفترق الحاد: إما أن يُترك نموذجًا لانهيارٍ يمكن أن يتكرر في أكثر من بلدٍ عربي، أو أن يتحول، رغم الألم، إلى درسٍ في ضرورة إعادة بناء الاقتصاد على أسس السيادة والعدالة والكرامة الإنسانية.

فالخلاصة التي يفرضها الواقع، قبل أي تنظير، هي أن الثروة الحقيقية لا تكمن في حجم الموارد، بل في القدرة على تحويلها إلى حياةٍ كريمة. وأن النهضة الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق دون نهضةٍ أخلاقية تضع الإنسان في مركز السياسات، لا على هامشها. وهذا هو السؤال الذي يطرحه السودان اليوم، لا على نفسه وحده، بل على ضمير الأمة العربية بأكملها: هل نملك الشجاعة للانتقال من اقتصاد النهب إلى اقتصاد الحياة، أم نكتفي بمراقبة الموت البطيء ونحن نُسميه واقعية؟

ويؤكد درس فنزويلا، بوضوحٍ صارخ، أنه لا سيادة حقيقية دون سيادةٍ اقتصادية جماعية. فالأقطار العربية، إذا استمرت كدولٍ قطرية منفردة، ستظل عاجزة عن تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي، وقابلة للاختراق، وفاقدة للسيادة الفعلية على قرارها الوطني. وحده تفعيل التكامل الاقتصادي العربي الحقيقي، لا الشكلي، يمكن أن يبني مناعةً جماعية تُمكّن هذه الدول من امتلاك قرارها، وتحقيق الرفاه لشعوبها، دون رهبة العقوبات أو التهديدات الخارجية.

#الهدف_الاقتصادي #اقتصاد_السودان #الاقتصاد_العربي #اقتصاد_الحرب #الاقتصاد_الريعي #السيادة_الاقتصادية #العدالة_الاقتصادية #التكامل_العربي #اقتصاد_الإنتاج #الكرامة_الإنسانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.