د. عصام علي
جلس.. أقصد جلست بجواره في قاعة الدراسة بالجامعة العريقة. أخذ (توحا) يختلس النظر بين حينٍ وآخر ليتأمّل جمالها الآخاذ؛ حيث القوام الفارع والجسم الممشوق. كان يجتهد كثيراً أحياناً ليرى جانب وجهها المقابل، ويخطر بباله ترنيمة المغنّي: “خايف خدودك تنجرح من نظرتي.. وخايف قلبي يذوب غرام من نظرتك”.
كان يتابع كتابتها ويدقّق النظر في أناملها التي تمسك اليراع. بحث عن مدخل ليحادثها، ولم يجد، لكنه لم يستسلم؛ بل فكّر ودبّر، ثم تنحنح واتّكل على الله وقال: “يا آنسة.. يا آنسة، لو سمحتي، الكلمة الفي آخر السطر شنو”؟ ورغم أن الكلمة واضحة وضوح الشمس، إلا أنها ردّت عليه بوقارٍ مصطنع. بعدها شعر (توحا) بارتياحٍ شديد للإجابة التي كان يعرفها سلفاً، وقرّر أن يغتنم هذه الفرصة التي أتت إليه على طبقٍ من ذهب، ويعزمها على الكافتيريا بعد نهاية المحاضرة.
حاولت الاعتذار، لكنه حاصرها بإلحاحٍ شديد وكرمٍ حاتمي، فلم تجد بدّاً من تلبية الدعوة. عرف أن اسمها (حنونة)، وما إن جلست بجواره على الطاولة حتى بادرها بسيلٍ من الهطرقات والهترشات التي لا رابط بينها: تعرفي.. أحم أحم.. الحـ.ـرب الأوكرانية الروسية قد تقود إلى اصطفافٍ دولي وحـ.ـربٍ عالمية ثالثة. ستفشل اتفاقية السـ.ـلام، وشعب غـ.ـزة قادر على فكّ الحصار المفروض عليه، ولن تستطيع الترسانة العسكرية الإسرائيلية إخماد مقـ.ـاومته الباسلة. أعتقد أن هذا العام سيكون الأخير للاعب محمد صلاح في صفوف فريق ليفربول. وبالمناسبة، ارتفاع سعر الدولار قد يزيد ظاهرة التضخّم ويفاقم الأزمة المعيشية.
استمعت إليه بامتعاضٍ شديد، وأيقنت أن (توحا) يُعدّ أكبر (تلحة) على وجه الأرض، ولن يترك لها سبيلاً. استأذنته بالذهاب، لكنها قرّرت أن تكيد له: (وإن كيدهنّ عظيم).
أما هو فرجع إلى منزله وهو في قمّة البهجة والسرور، وبدأ يفكّر كيف يقضي يوم غدٍ مع حنونة التي خطفت عقله وقلبه. أعدّ واختار ما يرتديه في اليوم التالي بعناية فائقة، بعد أن اجتهد في الحصول على مبلغٍ ماليٍّ مقدّر لزوم الفطور والعصير واللبان والنسكافيه وغيره.
وفي اليوم التالي وجدها وسط مجموعةٍ من صديقاتها اللائي اشتركن معها في تدبير المؤامرة. وأخذت حنونة تعرّفه عليهن واحدةً تلو الأخرى: آنسة شذى، آنسة ندى، آنسة عبير، آنسة أريج، آنسة ياسمين. أما هو فالتقط كلمة آنسة لتعريف نفسه، وقال: الآنس.. فقاطعته (حنونة) وقالت: الزميل.. أيوه أيوه، الزميل (توحا).
لاحظ الفرق بين هذا الاسم وتلك؛ تلك تعطّر الجو، وهذا يعكّره، بل يشعل فيه كَتاحة. وما إن دعاها إلى الكافتيريا حتى تقدّمت، وخلفها هذه المجموعة من صديقاتها، ولم يجد (توحا) غير القيام بواجب الكرم والضيافة. تكرّر المشهد نفسه بكل التفاصيل في اليوم التالي والثالث، حتى استنفد كل ما لديه.
أما في اليوم الرابع، وما إن التقى بهن في المكان المعهود، قال بصوتٍ خافت: “الليلة عليكِ يا حنونة”. فصاحت شذى، ندى، عبير، أريج، وتقدّمن نحو الكافتيريا، أما هن فقد غيّرن اتجاههن إلى كافتيريا أخرى. وحينما التفت، لم يرَ أيّاً منهن، فقط سمع ضحكاتهن من على البعد، وعرف أنهن زاِيغات. فتأبّط دفاتره وذهب إلى البيت، يلعن اليوم الذي عرف فيه حنونة، واليوم الذي خُلقت فيه حواء. أما هن فقد ارتحن بعد أن تخلّصن منه، وقالت إحداهن ضاحكة: “ليه يا حنونة تعملي كده وتشرشري توحا بالشكل ده”؟
#ملف_الهدف_الثقافي #قصص_سـ.ـودانية #جامعة_الخرطوم #سرد #د_عصام_علي #الهدف
إعادة: بسبب نشر النص ناقصاً في العدد السابق

Leave a Reply