منتصر منصور
ثم إنه صديقي، الثائر بغتةً، حين وافيته لمدني التي بارك الله الشفوت حولها، ولم تنلها مسغبة أو تكريع لظلم الإنقاذيين. ولقد ألفيته، لا غزّ الله بركته، منتشياً، مشعشعاً، ومكمكماً أطراف قميصه، يجري درن الخدر بين عينيه وهامته، خامصاً حدّ أن ينسل قميصه من بنطاله، فيعيده عند كل قومة يحسبها للوطن ويحتسيها في معاقل عقله. والسخانة في أوجها، وغضبة الشعب تسوّي يا ليل. جامعة الجزيرة تشتعل، والأرض تجري لمستقر خلاصها، والعصافير تزقزق و..
سألته بصيغة منتهى الحذر، وأنا أنظر لمنتهى الجموع والتكسير، فأردف بحزم لم أعهده لمن هو في انتشاءاته: “البلد سخنت، وأنا قائد النضال في الحتة دي”. أرتال الزجاجات المولوتوف تملأ الصالون، متراصة ليوم لا ريب فيه، وهو مشغول بجزّ القماش ليكمم أفواهها. فتساءلت: “وأنا موقعي شنو من القصة دي”؟
لقد صرت متوجساً، حالما أتيت مدني زائراً لوالدي خفية، فقادني حظي العاثر لمايو أربعين، حيث قلعة النضال الدونكيشوتية المزعومة. فأجاب: “انت تأكل نارك معاي هنا، وبعدين انت ما غريب، ثائر وكل عمرك ثائر”. كدت أن أستلقي على قفاي من الضحك، فتنبهت لأنه لا يوجد سرير؛ فقد أحال المكان لمخزن، وتركه على بلاطه، زلقاً وخالياً من نواجذه وفرائصه وهتشه. خاطري كاد أن يقول له: “اذهب أنت وصحبك وقاتلا، أنا ها هنا قاعد حتى ينجلي الفجر”، فأنا متعب، والله يعلم بالسرائر. وخفت أن ينعتني بما ينعتون به ذوي التعقل والعقلانية. أعرف أن فكرتي ستتعرض للقطع الجائر، وربما تحرق كل سفن عودتي، فقلت مترجياً: “لنختار يوماً آخر غير هذا يا برين”.
- “محال يا بينكي، دقّت ساعة الحقيقة”.
- “يدقك في راسك الغليد ده”.
ثم سرعان ما انفلت المشاغبون صوب الصالون، وحملوا الزجاجات والكبريت والكربتيت والربيت، وأصّلوا البوليس والعسس ناراً لا هوادة فيها. غمغمت في سري: كم أحب ناس مدني وشفوتها ودلوقها ومفاعيصها، أولاد اللذينا الذين يفعلون ما لا يؤمرون. ثم سابلتها السريعة الاحتقان كالديامة حطب القيامة ومن لفّ لفهم إلى يوم يبعثون.
خرجت، متحرفاً مرة، وشاحذاً للغضب مرة، وأنا أبحث عن الشقي برين. عيناي غائمة من البنبان، ألوك اللعنات حتى انفجرت تحت قدمي بنبانة، فلعنت سلسفيل الإيرانيين وبنبانهم القديم. فاضطررت للانسحاب سريعاً إلى الحمام لأغسل وجهي، لأجد برين مخندقاً، كأنه يستمتع بأغنية: I Will Always Love You، متراخياً على البانيو، ينقصه سيجار كوبي وكأس براندي فخيم. وما إن أغلقته حتى أهلتنا السماء بالقذائف من كل حدب وصوب. تخر أنوفنا، وتجري منا الأعين مجرى هميل الدمع. نصبّ لعناتنا ريثما ينعتق الجو من الدخاخين وتتضح الرؤيا. سألته:
- ما بك يا صديقي؟
- يبدو أني أُصبت.
كان قلبه ينبض بسرعة وعرقه يهتف. أشار لكتفه: بقايا دماء، لكن الجرح صغير. عيناه كمحطة مواصلات خالية من الركاب، لكن يده مغلولة. وعندما فتحت قبضتها وجدت (سيجارة محشية) لها رماد. “أيها اللعين”! ضحك طويلاً وقال: “ما هو دخان في دخان، هناك بنستشهد وهنا بنستشهد”. واستشهد بقول شاعر: “فلما شربناها ودب دبيبها..” أظنه النواسي.
- يا أخي إنت أبعد زول عن الشهادة، ثم إنو مضايرتك جوه الحمام دي ما بتاعة شهدا، لفّ يا أخ!
- أنا ما بلِّف، أنا بحشي.. كك.
زجرته بباقي غضبتي فصمت، فصرخت:
- يا أخ أنا بضيع في زمني معاك.
- عايز تمشي؟ أرح، أنا ذاتي حاسي بي كتمة.
سرعان ما أحال قميصه المهترئ إلى ثلاثة قطع: ربط إحداها في كتفه بعد أن غمرها بالماء لتظهر آثار الدماء عنوة، وأخرى ربط بها جبهته كجيفارا، والثالثة قذفها نحوي وقال: “اتصرف ياخ”. وضعتها ككمامة. سرعان ما طبخت خطة مخارجتي من آتون الحي المدلهم الجسور، الذي أوقد اصطباحيته على ثورة. إذ لاحت لي في الأفق سـ.ـواطير، عكاكيز، سـ.ـيخ، وفسيخ وبراطمين و..
راح هو يعرج متكئاً عليّ، يصنع الاحتقان. يطوف علينا ولدان، أخذونا بعربة بوكس حتى السوق. وجهه مصرور كحكم درجة رابعة. والدي الذي رآنا أخذ ينظر ويبتسم: “بينكي، حتجيني بكرة ولا أقول ليك أنا بايت معاك”؟
- ما تبيت معاي.
- الحمام وين يا حاج؟ أشار والدي لمكانه.
- برين، هات يدك. خمشت باقي الطفية، وتركته يجري محادثته مع الشفوت مطمئناً.
في الصباح، وأنا مسافر، وهو يودعني، دسّ شيئاً في جيبي وقال: “خذها، فهذه بركة شفوت مدني، وحات خوتنا تخليها”. تركته يذهب. نظرت لها بطرف عيني سريعاً، وأعطيتها للكمساري الذي زمّ وجهه بصورة مقنعة. مددت يدي لآخذها، فغمز لي وابتسم. بعدها تبسّط معي في الحديث وعزمني لفطورهم الكارب. قلت في سري وأنا أتكّرع الشربوت: بارك الله في شفوت مدني وما حولها.. من الولعات والطفيات والزغاريد!.
#ملف_الهدف_الثقافي #منتصر_منصور #سرد #ود_مدني #ثورة #قصص_سـ.ـودانية #الهدف
- إعادة: بسبب نشر النص ناقصا في العدد السابق

Leave a Reply