بقلم: م. عبدالمنعم مختار
# الهدف – آراء حرة
في الأزمنة المختلة تختل اللغة قبل السياسة، وتختلط الأولويات حتى يصبح الغياب أكثر حضورًا من الوجود. تغيبالمدرسة، ذلك المعمل الصامت لصناعة المستقبل، وتتعطل المستشفيات، وتبهت الخدمات الأساسية، التي تقومعليها كرامة الإنسان، دعك من الغلاء الفاحش في أسعار مواد المعيشة الأساسية والأدوية خاصة المنفذة للحياة، بينما تُتداول أسعار الصواريخ والمسيّرات بدقة محاسبية باردة، كأننا أمام سوقٍ طبيعي لا أمام مأساة مفتوحة.
ليس السؤال هنا عن القدرة، فالموارد ــ مهما شحّت ــ تُدار وفق الإرادة. والسؤال الحقيقي: أيُّ إرادة تحكم هذاالمشهد؟ كيف يُقاس ثمن أداة ق–تل بالدولار والعملة الصعبة، بينما يُترك التعليم بلا ميزانية، والصحة بلا دواء،والماء بلا شبكة، والكهرباء بلا صيانة؟ إننا أمام خلل أخلاقي عميق، لا أزمة مالية عابرة.
في هذا الواقع، يُدفع الأطفال خارج الفصول الدراسية إلى هامش الحياة، وتتحول المدرسة من حق إلى ذكرى، بينماتتضخم لغة الح–رب في الوعي العام حتى تكاد تحل محل لغة التنمية. وحين يعتاد الناس أخبار السلاح أكثر من أخبارالبناء، فإن المجتمع يكون قد دخل مرحلة التطبيع مع الفقد، ومع الانحدار البطيء نحو الفراغ.
التاريخ، لمن أراد أن يتعلم، لا يذكر الدول، التي أكثرت من الصواريخ، بل تلك التي أحسنت بناء الإنسان. فالقوة، التي لايحرسها وعي، ولا تُسندها عدالة اجتماعية، ولا تُثمر تعليمًا وصحة وخدمات، قوة عرجاء، مهما بدت صاخبة فيالمدى القصير. الح–رب قد تفرض نفسها، لكنها لا تصنع مستقبلًا.
من هنا، يصبح السلام ليس شعارًا عاطفيًا، بل مشروعًا عقلانيًا لإنقاذ ما تبقى. السلام، الذي نقصده ليس استسلامًا،بل انتقالًا واعيًا من منطق الغلبة إلى منطق المشاركة، ومن اقتصاد الح–رب إلى اقتصاد الحياة. وفي هذا السياق يبرزبرنامج الجبهة الشعبية العريضة كإطار جامع لإيقاف الح–رب، عبر توافق وطني واسع، يضع حدًا للسلاح خارج الدولة،ويعيد توجيه الموارد نحو التعليم، والصحة، والخدمات، والتنمية المتوازنة، ويؤسس لحوار شامل بين القوى الحيةالمعادية بالسلام والأوقاف الفوري لإطلاق النار واستمرار الح–رب.
إن وقف الح–رب هو الخطوة الأولى، وبناء السلام هو المسار الأطول والأصعب، لكنه الطريق الوحيد. فالأمم لا تُقاسبعدد صواريخها، بل بعدد مدارسها، ولا تُخلَّد في الذاكرة بقوة نيرانها، بل بقدرتها على حماية الحياة. وفي لحظةكهذه، لا يكون السلام خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة تاريخية لا تحتمل التأجيل.

Leave a Reply