الشعر بين الأدب والسياسة: قراءة في قصيدة حميد سعيد “إنها ليست أمريكا”

صحيفة الهدف

أ. د. بشرى البستاني

كاتب وناقد عراقي

كان الأدب وما يزال نبضاً فاعلاً في الطروحات السياسية التي كانت منذ القدم المحرك الجدلي لجوانب الحياة كافة، كما كانت صانعة قرارها الداخلي والخارجي حتى عُدت المحرك الأساسي لتشغيل فاعلية الفضاء المحيط بالإنسان. وغدت هذه الثنائية (السياسة / الأدب) واحدة من الإشكاليات التي حاولت العلوم الإنسانية تفكيكها وإزاحة جوانبها المظلمة (سلطة / شعب). فحين يكون الوطن محتلاًّ بعدوان خارجي، فإن الأدب النبيل سيكون في حالة تضاد وتناقض مع سلطة المحتل، مما ينتج أدباً اتخذ له مصطلحاً يكاد يكون عالمياً هو “أدب المقاومة”. لكن هذه الصفة لن تجعل الأدب بحال من الأحوال مرتبطاً بالواقعة التي قيل فيها؛ ذلك أن ما يميز النص الأدبي الحق هو اتصاله بظروفه التاريخية وانفصاله عنها معاً. فهو ينفصل بمقدار قدرته على التجاوز، فلا يظل أسير زمنه، بل يتجاوزه بقدرة أدبيته وشعريتها على احتواء التاريخي وتحويله إلى لا زمني، حينما يحمل لذة قراءته الفنية إلى أزمان أخرى وقراء غير معاصرين له؛ كما فعل الأدب العربي القديم الذي ما يزال مقروءاً حتى اليوم، وكما حدث لآداب الحضارات الأخرى كالإلياذة والأوديسة وملحمة جلجامش وأعمال شكسبير وموليير وشعر هولدرلين وبوشكين وأمثلة كثيرة أخرى. ففي نظر ماركس، ليس انفصال الآثار الأدبية والفنية عن إطارها التاريخي منافياً للمفهوم العلمي للتاريخ عن التطور البشري، بل على العكس؛ إذ يبدو تاريخ الفن حافلاً بالوقائع والأحداث، كما ينطوي على نوع من الديمومة من خلال اتصاله بجميع ما في تطور الإنسان والثقافة والحضارة من عوامل الاستمرار (ينظر: الأدب والدولة، إحسان سركيس: 14).

قوم ديوان الشاعر حميد سعيد (من وردة الكتابة إلى غابة الرماد) على عنوان يحمل في صميمه صرخة العبور المرير؛ فمن “وردة الكتابة” حيث جمالية الظهور والتجلي والقدرة على التواصل والخصب المتجدد في بنية المضاف والمضاف إليه، إلى ضدٍّ يكرس وقائع درامية مسكوتاً عنها، تضمر صراعاً ضارياً وقع على وردة الكتابة من قِبل فاعل يبدو في البداية مجهولاً، لكنه يتسم بأشرس أنواع العدوانية كونه أحال الوردة إلى غابة من رماد. وسيعمل العنوان على ترشيح دلالاته إلى متن النصوص كلها، وسيكون معلوماً عبر القصائد، وستنكشف تناقضاته في “غابة الرماد” التي خلفها في أجمل بقعة تاريخية على الأرض العربية هي العراق.

يفتتح الشاعر مدونته الشعرية هذه (دار أزمنة، عمان، ط2، 63) بقصيدة (إنها ليست أمريكا والت ويتمان، إنها ليست أمريكا أدغار ألن بو)؛ حيث يكمن التضاد في التوازي الذي بني عليه العنوان، وزيادة في التبئير فقد كان أحد طرفي التضاد ضميراً غائباً عائداً على حاضر، لكن بطريقة شعرية؛ فالهاء في (إنها) تعود على أمريكا الحالية، رمز الطغيان وإبادة الشعوب واستلاب الإنسان، والإشارة إليها بالضمير ترفّع من قبل الشعر عن ذكر سوءتها. أما أمريكا والت ويتمان وأدغار ألن بو فهي أمريكا أخرى مناقضة لهذه الهمجية التي اجتاح العالم وخربت حياة البشرية.

إن اهتمام النص بقضية التسمية يكمن في ضرورة الإعلان عن هوية إيجابية مقابل هوية سالبة؛ فللتسمية وظيفة أنطولوجية تهب المسمى هويته ومكانته في الوجود. التسمية تخرج المسمى من التنكير والمجهولية إلى التعريف والعلمية والتعيين، حيث يكون لصفاته سمة الحضور. من هنا اختار الشاعر حميد سعيد لأمريكا الحرية والديمقراطية والتقدم رمزين مهمين من رموزها الأدبية والفنية والجمالية: أدغار ألن بو ووالت ويتمان، اللذين يُعدان من أهم واضعي أسس الأدب والشعر الأمريكي بعد أن كان تابعاً للشعر الإنجليزي.

فقد دعا ويتمان إلى أدب جديد لا ينسخ فقط ويعكس السطوح القائمة، بل ينهض بنظرية جديدة تؤكد أهمية الخيال الخلاّق والرؤية الديمقراطية من أجل خلق شخصية إنسانية خصبة، مؤكداً أهمية الحرية التي يجب على أمريكا أن تفيض بأنوار شعلتها على العالم، داعياً إلى توطيد العلاقة بين الشاعر والواقع من أجل بناء سعادة الإنسان الجديد.

كما كان أدغار ألن بو رمزاً للتمرد على كل الأعراف السائدة، وعلى المدارس الأدبية القديمة التي أحكمت القيود على الشعر والأدب، فكان الشاعر المعاكس للتيار والناقد الموهوب وكاسر التقاليد المتمرد حتى الجنون -حسب كوليت مرشليان- الذي أشار كبار النقاد إلى أنه كان المبدع الثائر، و”المعلم الأول للكتابات الفانتازية”، و”مخترع القصة البوليسية”، و”الممهد الأول للرواية العلمية”، و”المجدد للقصة الشعبية”، و”الرائد في علم التحليل النفسي”.

وكانت المحاضرة التي ألقاها عام 1849 قبل شهور من رحيله قد أصبحت منذ ذلك الحين أساس “المبادئ الشعرية” التي حددت “مفهوم الشعر”. فقد تحدث فيها بو عن غاية القصيدة وغاية الشعر التي هي السمو بالروح والعمل على تحريرها من ثقل المادة. ودعا في محاضرته تلك إلى التحرر حين كتابة الشعر ووصف هذا التحرر على أنه أثيري لا يُحدّ بغايات (أدغار ألن بو، أغرب شخصية شعرية في أمريكا، كوليت مرشليان، موقع جهة الشعر، إنترنت 15/9/2010).

كما وصف السمو على أنه تلك القدرة الشفافة وغير المرئية القادرة على رفع روح الإنسان بكل ما ران عليها من أثقال مادية إلى درجة من الترفع والطلاقة. ولعل ما جعل شاعرنا يؤكد نسبة أمريكا النظيفة لأدغار ألن بو هو حب الأخير للجمال والمثل العليا وحرصه على الأخذ بيد قارئه للوقوف به على حافة ذلك الخوف الإنساني العميق من اكتشاف الذات ومكامن ضعفها، مما يؤكد وعيه بما تكتنزه هذه الذات من عمق وثراء وقيم وتناقضات وائتلافات وصراع وتطلعات، مما يجعله أكثر قرباً من الإنسان وأكثر إخلاصاً لقضاياه الحقة.

لقد أكد برنارد شو عام 1909 أن بو وويتمان هما الرجلان الوحيدان اللذان ولدا منذ إعلان الاستقلال والقادران بمرافعتيهما أن ينقذا أمريكا من الهلاك يوم كانت مهووسة بالديمقراطية والنمو الاقتصادي ولا مبالية في ذلك الحين بما اعتبرته مظاهر حضارية هامشية كالثقافة والفنون (أدغار ألن بو، ديفيد سنكلير، ترجمة سلافة حجاوي، دار الرشيد للنشر، بغداد 1982: 11).

من صميم تلك المبادئ الخلاقة والعارمة بروح مسؤولة والتي اصطدمت فيما بعد بضدها الذي شكل أمريكا أخرى؛ أمريكا مدججة بالحديد والنار ضد الإنسان وحلمه، وساعية إلى إشعال الأخضر واليابس حيث يسقط الإنسان ضحية مغدورة، من هنا تنهض رؤى قصيدة حميد سعيد مؤكدة ما آل إليه حلم ويتمان، حلم الحرية والثورة وروح الانطلاق. كل ذلك آل إلى هذا الضد المناقض:

حجر نتن… وبيوت تشيخ القنافد في صمتها والعظايا لقد رحل الشعر لم يبق في بيت ويتمان.. إلا جذاذات ممحوةٌ.. كان خبأها في مدارات أعشابه ثم حاول أن يودع الطمأنينة فيها.. فغادره صوته قيل لي.. حيثما تجد القمر الأسود… يملي تعاويذه على أدغار ألن بو.. انتظر ساعة.. وستأتي أناشيده من طقوس الحداد

هكذا، لا يأتي التضاد مباشراً عبر الملفوظات، بل يظل مندغماً في طوايا النص إذ تكبر أحلام الشاعرين لترتد إلى النقيض متمثلة في شعوب ودول تعمل أمريكا ورمز شرورها جورج دبليو بوش على قهرها وغزوها واستلابها ثم احتلالها أخيراً. ويتم ذلك في النص عبر المفارقات الحادة في القمر الأسود والأناشيد الطالعة في طقوس الحداد والحب الذي تقابله البطاطس والمقانق في فجوة دلالية ما بين الروحي الأثيري الباقي والمادي الزائل.

أما المقطع الثالث فقد كان فيه الشاعر بو يبحث عن جماليات أحلامه في استرجاع تكرر ست مرات بصيغة (كان يبحث عن)، وكان الصراع الداخلي مصاحباً لعملية البحث عبر زمن متواصل، لكن النتيجة تقفل ضراوة الصراع الخفي حين يصطدم أدغار بو بمومياء الرماد، يوم مات على الرصيف مشردًا ومملوفاً بجوعه وديونه وخيبة عبقريته التي لم يلتفت إليها في حياته أحد، وصارت بعد موته مثلاً لعباقرة الفن والشعر والنقد والفلسفة، غافلة عنه أمريكا التي انهمكت بالمغامرة غير الإنسانية والمدعية رعاية الإنسان، وكأنه كان يرى بأم عينيه سقوطها وانهيار حلمه فيها فيأخذه الشعور بالخيبة والإحباط إلى غير رجعة:

كان يبحث عن مومياء الأغاني التي رافقته إلى أمسيات مواعيده كان يبحث عن نفسه فرأى مومياء حرائقه ورأى مومياء الرماد

هكذا رأى بو أمريكا بتهافتها غرَاباً أسود المصير، لكنه كان يرى ضوء الأمل المتمثل بالفن والشعر وتجليات الروح الواثبة ممتداً نحو مستقبل إنساني لا بد سيأتي. بهذا التصميم يختتم قصيدته “الغراب” التي استشرف فيها خراب أمريكا القادم وحلمها الشيطاني الذي افترس الإنسان، وخلاصه المتوهج بالفن.

إن الصراع قائم بين الحلم والواقع المر، في ثنائية ترتكز على فكرة فلسفية تكمن في القدرة على الربط بين الظواهر التي يبدو أنها منفصلة؛ فالتضاد رابطة مثل التماثل، والتناقض رابطة كذلك لأنه يعني نفي النقيض؛ فوجود النور ينفي وجود الظلام، لذا يدخل النور والظلام في علاقة تناقض، كما أن وجود الشر واليأس ينفي وجود الخير والفرح، أما وجود الأبيض فيتضاد مع الأسود، أسود الغراب تجاه إشعاع المواعيد الجميلة وتطلعات النفس المرهفة، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد.

والحالتان المتضادتان إذا تتالتا أو اجتمعتا معاً في نفس المتلقي المدرك، كان شعوره بهما أتم وأوضح، وهذا لا يصدق على الإحساسات والإدراكات والصور العقلية فحسب، بل يصدق على جميع حالات الشعور كاللذة والألم والتعب والراحة؛ فالحالات النفسية المتناقضة يوضح بعضها بعضاً، وقانون التضاد أحد قوانين التداعي والتقابل (الثنائيات الضدية، سمر الديوب، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2009: 25).

ويقوم المقطع الرابع على تكرار المشبه باسم إشارة يقع مؤخَّراً بينما يتقدم الخبر / المشبه به (مقبرة هذي المدينة) ثلاث مرات لتثبيت صفة دفن الحياة وتغييبها على هذه المدينة بالذات التي يسميها “نيويورك” لتكون مؤشرةً بالعلمية وإطلاق أوصاف المشبه به المناقضة لما تتطلبه الحياة. فنيويورك من ناحية حضرية مادية هي مدينة الإعمار والعمارة، لكنها في الحقيقة -وكما تصفها المنشدات الخلاسيات- مقبرة لابتلاع الأحياء، بعد أن كانت حضارة ميتة هيأ لها أدونيس قبل عقود قبراً لموتها إنسانيًّا وقيميًّا ومواقف. فهي الآن لشدة توحشها بوابة للجحيم في رأي راعي الكنيسة، ووحش ينام على فراش من الدم والعملات في رؤية لوركا.

إن الهوة في الرؤية الظاهرية شاسعة بين نيويورك بظواهرها وهي تسكب الأضواء الخارقة على الدنيا في دهشة الميديا والمعلوماتية والاتصالات المذهلة، بينما يخفي ما وراء الظاهر الحقيقة الكارثية لنرى مدينة أخرى مناقضة لذلك الظاهر كونها تضمر الشر والدمار وبارجات القتل وصواريخ الإبادة.

إن التناقضات هنا تعمل على إثراء النص ليس من وجهة أحادية بين ثنائيات ضدية حسب، بل من تداخل أكثر من عامل يعمل على تحشيد جبهة المقاومة في وجه الشر؛ كتداخل الأزمنة والأمكنة والرؤى والشخصيات التي يأتي الشاعر بأقوالها ومواقفها المناهضة والرافضة والحريصة على تفكيك آلة الطغيان التي باتت تهدد العالم بالفناء، بدءاً من الرمز الديني (راعي الكنيسة) ثم غارسيا لوركا رمزاً للإنسان وفنونه التي تكتنه قيمه ويكمن فيها جوهر تحضره. ولوركا في شعر حميد سعيد لا بد سيشير من قريب أو بعيد إلى الأندلس، وفي الأندلس يلتحم زمان ومكان وفعل وشخصيات ورؤى كثيفة علمية ومعرفية وفلسفية وفنية تشكل إشارة تبئيرية لعصر عربي مشرق يقف باذخاً أمام هذه الانكسارات التي تلامس الروح العربية اليوم وكثيراً ما ترهقها.

وفي المقطع الخامس يكثف النص كارثة الأنوثة التي تمثل الجمال والخصب والألفة وقد ابتلعها جحيم هوليود / أمريكا. حين يُسلَّع الإنسان وتُشيَّأ قيمه، إن الإشارة هنا إلى ينابيع فتنة مونرو لا يذهب بالأنوثة إلى محاور النسوية البحتة، بل يؤكدها مبحطاً حيوياً من مباحث علم الجمال وفلسفته النابضة بوعي الإنسان وسموه وشموليته؛ كون الجمال ليس خاصاً بنوع الأنثى، بل هو معطى من معطيات الحياة، لكن الأنوثة هي التي تبثه وتعلن عن وجوده، وهي في التصوف محوره وجوهر تجلياته، ليقع كل ذلك أخيراً في براثن الصراع ضد الإنسان ويذهب ضحيته ثمناً للخديعة التي ما تزال تضلل الكثيرين:

ولم تك تعرف أن الطريق إلى ليل فضتها سيغطيه هذا الجليد ورماد حرائقها سيغطي الجليد جسد عبأته العواصف بالضوء والرعود توجته الصواعق بالخرافات أهدت إليه الكواكب…. ما اختزنته البراكين ألقت به في الجحيم لتأكله هوليود

إن اللعب باللغة من خلال اللعب بالتكرار والإنعطاف بالضمائر في: (الطريق سيغطيه هذا الجليد / والرماد سيغطي الجليد) إشارة إلى المناورة الدائمة التي تحرك الفعل الأمريكي والتناقض الدائم الهادف إلى هيمنة القوة المتسلطة على الجمال والقيمة.

يعاود المقطع السادس الوقوف عند أدغار ألن بو، لكن عند غرابه هذه المرة، مفيداً من معادلة التبادل النعتي بين الطرفين؛ فغراب ألن بو كالح متجهم، وجورج بوش أخرق كئيب كالح متجهم. فقصيدة “الغراب” واحدة من النصوص العالمية، وهي قصيدة رمزية كتبها الشاعر في حالة فقدان إثر موت حبيبته ليونور، منطلقاً من البؤس والتشاؤم واليأس الذي يرمز له الغراب في معظم حضارات الشعوب، ومؤكدًا سوداوية المصير الذي ينبئ به هذا الطائر الذي ارتبط ذكره بأول حادثة موت أو جريمة عبر تاريخ البشرية، يوم قتل الإنسان أخاه وأخذته الحيرة كيف يعالج جثة المغدور، وكان السبب تناقض الأخوين في رؤيتهما للقيمة؛ هابيل يراها من زاوية الخير المنفتحة على المطلق، وذاك يراها من زاوية ذرائعية ضيقة هي الإمساك بمنفعة الذات والحقد على من يتمكن من السمو عليها حسداً.

وكانت قمة التضاد والصراع في القتل، وكان الغراب هو معلم الدفن الذي صار سنة لغالبية البشر، وظل الغراب مبعث شؤم وإنذار بالشر، ولذلك يسمي جورج دبليو بوش باسمه إمعاناً بإصرار الأخير على اقترانه بالقتل والقهر واستلاب الشعوب، ليظل اسمه كالغراب مقترناً بجريمة، كما ظل غراب أدغار ألن بو في القصيدة مصراً على القطيعة بالرغم من ثقة الشاعر بخلاص فنه والأمل الذي يمكن لهذا الفن أن يبثه أو يبوح بأنواره، ولذلك تنتهي قصيدة الغراب بلا عود ولا أمل:

ومنذ تلك الليلة مازال الغراب مستقراً فوق التمثال على باب حجرتي يشع من عينيه حلم شيطاني بينما يمتد حلم مصباحي على الأرض ويمد ظله طويلاً على أرض غرفتي بينما تمتد روحي خارج دائرة الأسر أبداً، لا عود.

ومع ذكر بوش تعلو النبرة الخطابية في النص؛ ذلك أن المقام هو الذي يقتضي ذلك، فحين يعلو صوت الحقيقة لابد للمجاز من التنحي قليلاً ليطلع وهج الأرض، ولذلك تنثال الأوصاف التي تكشف عن شخصية ذلك القاتل: الأخرق، الكالح المتجهم، مكرراً هذا السطر مرتين، مؤشراً أبعاد سياسته التي شكلت تضاداً مريعاً مع الأهداف الإنسانية ومع كل الأشياء الجميلة التي يحلم بها الإنسان:

هذا الذي يقيم الخرائب في ظلال الأساطير ثم يقيم الخراب..

إن الظروف الواقعية الحادة التي عاشها الشاعر حميد سعيد وشعبه بسبب أيديولوجيات التحيز والسطو والقهر والعدوان، هي التي أنتجت مثل هذه المواجهة الشعرية الحادة والرفض السياسي الذي يشكل درجة عالية من الاتحاد بين الشاعر والمرسل إليه مؤازراً، بينما يشكل درجة عالية من الجدل والرفض بين الذات الشاعرة ومستلبيها، بحيث تعلو نبرة الشاعر لتواجه نشاز ما يحدث في الخارج. فيأتي المقطع السابع كاشفاً عن بؤس السياسة الأمريكية وتناقضات ادعاءاتها وتحويل نتاج حضارتها المتألقة عمراناً في ناطحات السحاب والاقتصاد إلى سقوط قيمي يبث العواصف والرعب والجشع، ليخلق جواً من الظلمة الروحية والبرد الذي يشيع القطيعة والعزلة؛ فالبرد والظلام عازلان عن التواصل، مشيعان للوحشة، ولذا فإن كل شيء في النهاية يؤول إلى ظلموت الظنون.

إن الأسلوب الخبرى يواصل بث يقينه في بشاعة الفعل الأمريكي المعاصر، لكنه يلتفت للأسلوب الإنشائي متمثلاً بالاستفهام المجازي الذي يخفي أكثر من لون من المشاعر المتضاربة ألماً وعجباً وتعبيراً عن الخسارة الأمريكية الكامنة في رفض الشعوب للجرم الذي تنزله بالإنسان باغتصاب حدائقه وقصائده. إن اعتماد تشكيل الصورة الشعرية هنا على الاستعارة التصريحية في حذف المشبه الذي يختصر كل الجماليات الكامنة في مسرة الإنسان مادية ومعنوية -ألواناً وردية وتشكيلات جمالية وعبير فرح- يختصرها ويخفيها في خانة الغياب التي تكتنز الفعل الشعري وتحرك طاقته، بمثابة فعل عدسة مجهرية عالية الدقة، ومن خلالها نرى مكونات الصورة الشعرية وكيفية رؤيتها من قبل المتلقي حين يحل الحدث ومتعلقاته في صورة شعرية؛ فالمصرح به في عالم هذه الصورة شيء نزير إذا قيس بالمخفي (تحولات القصيدة، قراءة جمالية وفكرية في شعر حميد سعيد، سليم النجار، دار تالة للنشر والتوزيع، ط1، 2010: 83). والإطلالة على ذلك المخفي أو المسكوت عنه إنما يحتاج في القراءة إلى تفكيك الخطاب الصوري الشعري الذي يشير إليه النص.

إن مفردة القصائد في التشكيل الجملي السطري:

فهذي بلاد ترى في اغتصاب القصائد أنفالها، تفعل في اشتغالها الفني فعل الحدائق، بل هي في جملتها موازية للتشكيل السطري السابق: فهذي بلاد ترقش أحلام أطفالها باغتصاب الحدائق..

في مقابلة صورية بين جمالية المادي والمعنوي في المستوى القرائي الأول، وبين تلاحم طرفي المعادلة الجمالية في المستوى القرائي الأعمق حين تؤول معطيات الحدائق والقصائد إلى قيمة واحدة هي القيمة الجمالية التي تبث الشعور بالانسجام والرضى والفرح والتناغم. لكن كل ذلك الجمال يقدمه النص مغتصباً ومنهوباً من قبل (هذي البلاد) التي يعرض الشاعر عن تسميتها أنفةً من سوء فعلها وقبح عدوانها، معتمداً في هذا المقطع على كل ما يتيحه التكرار وتلوينه من إمكانية في إنتاج المعنى.

بينما يفتتح المقطع التاسع بالتسمية المباشرة، يدونها مستوحدة في سطر مستقل تعبيراً عن عزلتها ورفض بشاعة جرمها:

جورج دبليو بوش.. ربما سيدق غراب ألن بو… بابك في لحظة تتوارى عن الناس فيها أيها الدموي العصابي ماذا تركت وراءك غير الدماء التي تملأ الأرض من كل عرق ومن كل لون

فالتسمية هنا مكون أساسي يرتكز عليه ما سيأتي من دلالات لأنه المسند إليه الذي ستنصب عليه النعوت والنداءات التي تؤكد دمويته. فالتسمية تعمل على الإظهار والكشف وتأكيد الهوية، إنها واهبة الكينونة التي شكلت المقطع بأكمله، وهي علامة سيميائية تؤشر رمجاً غدا عنواناً للشر والعنف والدموية. إن الأسلوب الإنشائي بما يمتلك من استحواذ المتكلم على الخطاب متمثلاً بالنداء والاستفهام المجازي متلاحمين وهما يضمران حوارية درامية رافضة بأسلوب يعمل على تثبيت إسناد النعوت على المخاطب (-بوش-) الذي سيدق غراب ألن بو بابه شؤماً وسوء مآل والذي سيهرب للعزلة من عار فعله؛ فهو العصابي منتج الدماء والوجع وخوف الأطفال وشواهد الأحلام.

إن ما تشكله الصورة الشعرية الكامنة في (-شواهد أحلامنا-) والمرتكزة على الاستعارة المكنية التي قتلت فيها الأحلام ودفنت وصار لها شواهد شاخصة ودالة على الخطيئة، إنما هو تعبير عن الإيغال بالشر حد الإثم والجناية. إن كون الشواهد -وهي الألواح التي توضع علامات على قبور الموتى معلنة عن أسمائهم وسني ولادتهم ووفياتهم- مصنوعة من الحجر دلالة على مكوث آثار الجريمة أجيالاً وآماداً من الزمن مكوث الحجر بصلادته، مما يدفع القصيدة إلى مواصلة النداء في المقطع العاشر، في مقصدية من الشاعر لاستدعاء رمز الجريمة في محاكمة علنية تكشف عن الفضيحة التي ارتكبها هذا الدموي العصابي ليستحق هذه النعوت، فضلاً عن أن خوف الأطفال تكمن فيه استمرارية المعاناة في المستقبل لما سيجره الخوف على الطفولة من آثار نفسية وجسدية، واختتام المقطع بالاستفهام يبقي النص مفتوحاً على صياغات شتى من الاحتمالات.

إن أطراف التضاد عبر المقاطع في النص تعلن بوضوح عن صراع بين مهيمن مستلب قاتل دموي، ومغدور ألحق به العدوان أذى كبيراً وتجريحاً وقتلاً وتنكيلاً، لكن المغدور لم يستسلم لضعف ولم يقارب اليأس بالرغم من تفاوت قوى الصراع، بل على العكس تخرج الذات الشاعرة من أقنعة المجاز كلما حاصرتها قوة الطغيان، لتباشره وجهاً لوجه بما يسوؤه معلنة سلطة البقاء واستمرار الكينونة حيث سيرسو الصراع بالغلبة على شاطئ أصحاب الحق، ولذلك يخرج شعر حميد سعيد لحظة الغضب عن طبيعته المرهفة الثرية:

كن وقحاً وغليظاً وفظاً.. وكن سافلاً مثلما أنت كن قاتلاً مثلما أنت لكننا سنكون أرايت الشعوب تخرج من كل فج عميق أرايت أحبتنا يقطعون الطريق عليك..

هكذا يظل الشاعر عبر النص كله متماسكاً من الداخل، قوياً بعزيمته، لا ينظر إلى العالم نظرة أحادية تتلبس التشاؤم وترى الشر وحده يعيث فسادا ومعه آلة دماره، بل هو من منظور الثقة بالإنسان وعوامل الإيجاب التي تكمن في داخله ينظر للسلب والشر نظرة موضوعية كونه لا بد سينكسر أمام عوامل الإيجاب التي وإن كبت فإنها ستنهض، ولذلك نجده ينظر بإكبار إلى رموز المقاومة التي تمثلها الشعوب وهي تقف بوجه الشرور التي يمثلها رمز الطغيان بوش. إن ما يميز شعر المقاومة هو هذه الرحابة التي تحتضن الكون وتضم لصدرها الجموع الإنسانية الرافضة للعدوان لأنها لا تجد لها مصلحة إلا بعلاقتها الحميمة مع الإنسان النبيل أينما كان.

إن آلة العذاب وضحاياها تشتغل بحركية وكثافة في المقطع: (الصواعق والغاب، الصلاة وسوط العذاب)، حيث يؤشر الحدث تضارب القوى المتناقضة داخل النص ليظل رمز الشر مستوحداً في النهاية تحاصره قوى الشعوب وكل أحرار العالم في تناقض يحسم الموقف:

أرايت أحبتنا يقطعون الطريق عليك…

إن التأكيد على تكرار اسم بوش إنما يعمل على تأكيد المرجعيات المتعينة في طيات هذا الاسم وفي صميم منظومات الظلم التي اختطتها سياسته بشرطها التاريخي الذي رسم مرحلة صار لها سماتها المتجذرة في العالم المعاصر. ففي حين تلقي المرجعيات الضوء على بعض الأسماء المرتبطة بها فتكشف سلوكياتها ودوافع تلك السلوكيات، نجد العكس قائماً هنا؛ إذ يحيل الاسم على مرجعيات ومنظومة سياسية مرتبطة بأيديولوجية عدوانية جرمية.

وقد أفادت القصيدة سيميائياً من منظومة الأسماء التي وردت فيها سواء على مستوى الشخصيات أم على مستوى المكان: والت ويتمان، أدغار ألن بو، غارسيا لوركا، نيويورك، هوليود، جورج دبليو بوش، ناطحات السحاب. والمثير في هذه الأسماء أنها علامات كاشفة عن مدونات أدبية وفلسفية وفنية وسياسية واقتصادية تضمر فيما بينها تناقضات جمة تصل حد الصراع، وتحوي وقائع وأحداث فيها من الجدل ما يصل حد العمل على تصفية الأطراف كذلك. وهذه الأسماء علامات دالة وشخصيات رمزية مرجعية زاخرة بدلالات متناقضة في قيمها وتطلعاتها ومنظوراتها الحياتية.

في المقطع الحادي عشر يلجأ النص إلى مؤازرة الخاتمة السابقة بأسلوب التراكم؛ تراكم مختلف شرائح الشعب الأمريكي على اختلاف مهنهم وألوانهم وانتماءاتهم الطبقية وهم يشكلون شبكة علاقات متضادة تضاداً حاداً مع أمريكا الحديد والنار:

أمريكيون، طلاب، شعراء، موسيقيون، أكاديميون، أطباء، قانونيون ولاهوتيون حمر، سود وبيض، لاتينيون وصينيون

كلهم رافضون واقع السياسة الأمريكية وادعاء حضارتها الدموية الخطرة، ومنشقون عن كابوسها وعن السوس الذي ينخر فيها، مقترحين واقعاً جديداً وبلاداً:

تبدأ من خارج خارطة الإعصارِ ومن أول أسرار الأشجار..

إن بنية التضاد هنا تكمن في جانبين؛ الأول شرير تضمره خارطة الإعصار في استعارة تصريحية تعمل على تغييب المشبه / أمريكا وإظهار قبحه الإعصاري، والثاني هو المقترح النبيل الذي يبدأ من خارج هذه الخارطة المأزومة، من أسرار الأشجار حيث الخصب والبراءة والخضرة التي ستعيد التوازن المفقود لكونٍ أنهكته الكوارث. ومجيء هذين السطرين في وسط المقطع محتلين موضع القلب بين المطلع والخاتمة، يعني قدرة الأمريكيين الشرفاء على احتواء الحلم والإحاطة به والحفاظ عليه، لا سيما وأن المقترح / الحلم يطلع من أسرار الأشجار حيث القدرة على النمو والاستمرارية والإثمار تبشيراً بالديمومة.

يبني المقطع الأخير مدونته على الأسلوب الخبري الذي يقفل النص على اليأس من أي انعطاف أمريكي نحو الخير، ولذلك كان البناء دائرياً مغلقاً يبدأ بـ:

لم ير الشعراء سماء نيويورك..

لأنه لا سماء في نيويورك ما دامت السماء رمزا للسمو والبهاء والتعالي. ولذلك يتواصل التضاد عبر صيغة الماضي بحرف الجزم والقلب في (لم ير)، مستغرقاً زمن المستقبل في:

لن يرى الشعراء سماء نيويورك

في لعبة لغوية تجرّ زمن عدم رؤية الحقيقة التي تصدر عنها اللعبة الأمريكية من الأمس إلى زمن غير معلوم في الآتي. ينبني المقطع الأخير دائرياً، وإذا كانت اللعبة اللغوية واضحة المعالم عبر التكرار الملون بتبادل المواقع بين حرفي الجزم والنصب، فإن اللعبة الزمنية تكاد تكون غائمة ومضببة المعالم مادام الشعراء لن يروا سماء نيويورك لاعتماد ساستها على التضليل والتمويه والخديعة، وارتكازهم على “أمركة التفكيكية” منهجاً لابتلاع العالم وسحق إنسانه وتغييب مرجعياته وتغييب هويته وبعثرة الأسس التي تعمل على إشاعة الانسجام وروح التناغم في حياته التي سادها التشتيت والتمزق والإنفلات وتداخل كل شيء بكل شيء. ولذلك ظل الصراع قائماً عبر المقطع، وظل الأدنى يبتلع الأسمى وظل الرصاص عنواناً لذلك التضاد المتصارع وعلامة عليه، ولذلك لن يرَ الشعراء سماء نيويورك صافية لشدة ما لوثها الجناة:

كان النحاس يعتقل الماس والدخان يصطاد آخر ضوء تفلَّت من كوكب خائفٍ كان الرصاصُ على كل جدرانها وعلى كل أشجانها الرصاص على كل باب وكتاب على كل حرف وفاصلة في كتابات أقنانها لن يرى الشعراء سماء نيويورك

وأخيراً؛ فإن قصيدة (إنها ليست أمريكا) تُعدُّ أقرب في معمارها إلى القصيدة الطويلة المتكونة من مقاطع مرقمة بأرقام بلغ عددها اثني عشر مقطعاً يجمعها خيط دلالي واحد وموقف يؤطر مقاطعها جميعاً هو الموقف من هيمنة أمريكا / الطغيان على إنسان العالم المعاصر والعدوان على شعوبه وضيعة أمل رموزها في ادعاءاتها الحرية والديمقراطية والخلاص. وتشتغل هذه المقاطع بشكل لولبي؛ كلما استوفى فيها مقطع فكرته انتهى ليبدأ المقطع التالي بتنويعات على الفكرة السابقة بما يغنيها أو يطورها أو يدور حولها دوراناً فنياً يثريها دلالياً وإيقاعياً في آن واحد.

ترتكز القصيدة على البحر المتدارك مفيدة من انحرافاته جميعها؛ زحافاتٍ وعللاً، وقد يخرق الشاعر قواعد اللعبة العروضية لصالح اللعبة الفنية والدلالية. ويلعب التكرار بكل أنواعه أكثر من دور لأداء أكثر من وظيفة، منها اللغوي ومنها الصوتي والإيقاعي، وتتجمع الأدوار من ثم لتؤدي دوراً دلالياً لا يتم في الشعر إلا بالتكرار، مسلطاً الضوء على مراكز اهتمام الشاعر، فضلاً عن كونه يسهم في تمتين وحدة القصيدة العضوية عبر التركيز على وظيفة التماثل الموقعي الذي يمكن إيجازه بوظيفتين متعالقتين؛ الأولى دلالية لأن التكرار -بوصفه تشكيلاً أسلوبياً- يرتبط بالدلالة النصية فيعمل على تجميع العناصر والوحدات الدالة في شبكة متماثلة، والثانية وظيفة نفسية حيث يعمل التكرار عمل إشعاعات لا شعورية فيضع أيدينا على الفكرة المسيطرة على الشاعر أثناء كتابة النص (اللغة الشعرية، دراسة في شعر حميد سعيد، محمد كنوني، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1997: 121-122).

وهي هنا فكرة تكثف المنظورات الإنسانية التي قُدر للشعر الأصيل أن يحملها ويبثها عبر جماليات أصيلة ومخلصة لقضية الإنسان وأمانيه النبيلة، قبل أن يتحول الشعر من التعبير عن مهماته الكبرى ليغدو لعبة فارغة من المعنى تفتقد بهاء القيمة وأصالة التشكيل، لعبة بلا قوانين ولا هدف، لكنها غدت تملأ واجهات المواقع الإلكترونية والصحف الورقية.

#أدب #نقد #شعر #حميد_سعيد #أمريكا #فكر #ثقافة #ملف_الهدف_الثقافي #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.