د. فائز أحمد علي
يُعدّ المكان أحد أهم عناصر البناء الفني في الرواية، وقد يتحوّل أحيانًا إلى بطلٍ قائمٍ بذاته، فتُعرف حينها بـ”رواية المكان”. وقد يكون المكان مجرد عنصر بنائي يُوظَّف بدقة لإحكام الحبكة أو لإثراء موضوع الرواية.

في رواية “أوفيداسيهن ـ إلى لقاء” للروائية د. ناهد قرناص، يُوظَّف المكان باعتباره مجموعة مواقع جغرافية متعدّدة تتكامل ولا تنفصل، لتشكّل بُنية تحتضن الأحداث المتحركة بين الحاضر والماضي عبر تقنية الاسترجاع.
تضم الرواية أربعة فضاءات جغرافية رئيسة: الخرطوم، ماربورغ في ألمانيا الاتحادية، الأبيض في غرب السودان، وقرية رعوية في البطانة شرق السودان.
لكن الروائية لا تكتفي بالمكان العام، بل تتوغّل داخل أماكنه الفرعية وتمنحها خصوصيتها ودلالاتها؛ ففي الخرطوم تنتقل بين أحياء بيع الخمور، والجامعة، والمساكن العشوائية، ومكاتب الشركات بالسوق العربي، ومقر الطريقة البرهانية بالسوق الشعبي، وصولًا إلى حي الصحافة.
وفي “ماربورغ” تتنقّل بين شقة البشرى حمد الإسيد في الطابق الرابع من مدرسة اللغة، والسينما، ومحطة البص، وسوق المستعمل، والمدينة القديمة، والمستشفى، والمقاهي، ومحطة القطار، وشقة د. هالة فاروق. أما في “الأبيض” فتتجوّل بين العراء، والبيوت ذات الأسوار السلكية، وبيت الحاج إسماعيل. وفي “قرية البطانة الرعوية” تنتقل بين الطريق والجامع والمقابر وبيت حامد الإسيد الكبير.
هذه الرواية رواية “حدث”، لذلك جاء توظيف المكان فيها بقدر ما تقتضيه الحركة السردية وتطور المواقف.
يتجلّى هذا في وصف السكن العشوائي بالخرطوم (ص 95): “ليس لنا إلا العشوائيات، أبني بيتًا من الكرتون والخيش في تلك الأطراف، هناك لن يتعالى علينا أحد، كلنا هنا سواسية”.
وفي وصف مدينة ماربورغ (ص 15–16): “ماربورغ مدينة صغيرة ليست لها شهرة مقارنة بغيرها من المدن الألمانية، لكنها ذات سحر خاص..”
وفي وصف بيت حامد الإسيد في القرية (ص 104): “بيتنا ذو الفناء الواسع والغرف المتفرقة.. غرفتي كانت في الجهة المقابلة، مغلقة منذ هجرتها، كأنها تنظر إليّ بعيون دامعة”.
تتخذ معظم هذه الأوصاف الطابع المظهري الخارجي، بما يخدم الحدث دون مبالغة في التفصيل، باستثناء لمحات عابرة تتعمق في الدلالة.
إنّ تضمّن الرواية لأماكن عديدة، عامة وفرعية، في نص لا يتجاوز “136 صفحة”، كان يمكن أن يشكّل مخاطرة تؤدي إلى تفكك الحبكة أو ترهّل السرد.
لكن الروائية تجاوزت هذا الفخ بذكاء عبر اعتمادها “تقنية تعدّد الرواة“؛ إذ يتغيّر الراوي بين فصل وآخر، ما يجعل الانتقال بين الشخصيات والأمكنة سلسًا وطبيعيًا ومنطقيًا ومقبولًا. وقد أسهم هذا الخيار الفني في ضبط إيقاع الرواية وحفظ تماسكها السردي.
#ملف_الهدف_الثقافي #ناهد_قرناص #رواية_أوفيداسيهن #عنصر_المكان #رواية_الحدث #الأدب_السوداني #تعدد_الرواة

Leave a Reply