مجدي علي
في خضم النزيف المستمر الذي تسببه الح.رب في السودان، يظل الفن من أدوات الحياة النادرة التي تدعو إلى السلام، وتحمي الروح، وتربط الإنسان بالآخر وبالحياة نفسها، حتى وإن بدا ذلك صعبًا وسط الظلام واليأس الذي يكتنف البلاد.
برنامج “أغاني وأغاني”، رغم الجدل المتواصل حوله، لطالما شكّل منصة جذب اهتمام الناس وحرصهم على المتابعة. ومع إعلان القائمين عليه عن عودته هذا الموسم في هذا السياق المأزوم، أثار الجدل انتشار تصريحات بعض المشاركين والقناة التي أكدت أنها “ستخصص مساحة معتبرة من الحلقات لأغنيات تدعم القوات المسلحة ومعركة الكرامة“، لتقع في المحظور بإعلان الاصطفاف خلف معسكر لا يشبه الفن ولا رسالته وواجباته في الحياة، وهو موقف يثير الدهشة والاستغراب.
لطالما كانت الأغنية السودانية صوتًا للمقاومة والصمود، حافظة للروح العامة وصانعة للوجدان الوطني، ولم يشهد التاريخ أن تحولت يومًا إلى رسالة للق.تل أو دعوة للتشرد والنزوح. ومن هذا المنطلق، كان من المتوقع أن يحمل الموسم الجديد طابعًا يليق بالظروف الصعبة؛ موسمًا يعلن فيه الفنانون تمسكهم بالوطن، صفهم في جانب الضحايا، تضامنهم مع النازحين، وتعظيمهم لقيمة الوطن فوق كل دعوات الانقسام والاحتراب.
الفن، في جوهره، ليس مجرد زخرفة للحياة أو ترفًا سمعيًا أو بصريًا، بل أداة لإعادة ترتيب الأمل، وبث الطمأنينة، وتعزيز التماسك الاجتماعي عبر الكلمة واللحن. الأغنيات، حين تتماهى مع قضايا الإنسان اليومية، تتحول إلى رسائل تضامن وأمل، تعيد بناء الجسور بين الناس، وتكرّم تضحياتهم في مواجهة الفقد والفوضى.
وفي وقتٍ ينتظر فيه الناس بارقةً تُخفّف عنهم ثقلَ الأيام، لا يصبح انحياز الفن للإنسان خيارًا، بل ضرورة أخلاقية ووطنية. فالفن الذي لا يمدّ يده لمكان الوجع يفقد جوهره، ويتحول إلى صدى باهت لا يعكس حقيقة اللحظة ولا يلامس نبضها. والسودان الذي يحترق اليوم لا يُبنى إلا بالسلم والمحبة والتعايش، وأن الفن سيظل الأداة الأصدق في دعم حق الناس وآمالهم في الحياة الكريمة.
منذ بدايات البرنامج، كانت التحفظات على المضمون والمظهر واختيار المشاركين قائمة، لكنها اليوم تتفاقم بعد تصريحات بعض المشاركين التي أكدت الوقوف المعلن في معسكر استمرار الح.رب. ولعل ذلك ليس مفاجئًا، فمواقف هؤلاء الفنانين السابقة كانت قد أثارت التحفظ بسبب سطحيتها وابتعادها عن الهم الوطني، وعدم إدراكهم لمسؤولية الفنان تجاه المواطن والوطن.
في ضوء ذلك، يبدو أن الموسم الحالي من “أغاني وأغاني” لن يتحول إلى منصة للوعي أو مساحة للتضامن، بل سيكتفى بالبهرجة وعروض الأزياء والأسماء الرنانة، بلا رسالة حقيقية أو أثر.. هذه التصريحات تؤكد أن البرنامج لم يفهم دور الفن في السلم، ولا واجب الفن في زمن الح.رب..
#ملف_الهدف_الثقافي #أغاني_وأغاني #الفن_والح.رب #انحياز_الفنان #رسالة_الفن #مجدي_علي #السودان_في_أزمة

Leave a Reply