رحيل

صحيفة الهدف

أنصاف الشفيع

نظر إليه وهو مُسجّى أمامه، لا حركة ولا نفس. مسح دموعًا تأبى أن تتوقف، حتى إنها لتحول دون رؤية واضحة لصديقه الأقرب وهو ميت..

ميت؟ هل حقًا مات؟ بهذه البساطة؟ وبهذه السرعة؟ لا، مؤكد أنهم أخطأوا.. حتى ذلك الطبيب الذي أتى به مجاهد من المستوصف المجاور. هم لا يعرفونه كما أعرفه أنا. هكذا يكون شكله حين يكون نائمًا.. هكذا تمامًا.

اقترب منه بحذر، ووضع أذنه على صدره العاري.. سمع ضربات قلبٍ عالية، متسارعة. لثوانٍ كاد أن يبتسم وينادي مجاهد، المنهار خارج الغرفة، لكنه انتبه أنها ضربات قلبه هو، تبعتها صرخات نحيبه المتوجع. ابتعد وجلس على حافة السرير..

مر شريط طويل أمام عينيه: كيف ارتبطت حياتهما منذ الطفولة؛ المدرسة، الحي.. ثم في مقتبل الشباب طلابًا في الجامعة؛ النشاط، مباريات كرة القدم، أركان النقاش، أيام الاعتقال السياسي مرات عدة. لكم خطّ القدر حياتيهما بخطوط متقاربة ومتشابهة، فإذا بهما يخوضان تجربة الغربة كلٌّ في زمن مختلف، لكنهما اجتمعا مرارًا هناك.. لتزداد صداقتهما عمقًا وتترسخ جذورها مع الأيام. كان كلٌّ منهما وطنًا للآخر، حتى إن قرار العودة للسودان جاء متقاربًا، كأنهما لا يحتملان البقاء بعيدًا عن بعضهما.

وحين أجبرته الح.رب على البقاء في القاهرة بصحبة أسرته، كانت الأيام تمر عليه ثقيلة وحزينة، تتوزع بين نشرات الأخبار والمكالمات ليطمئن على أحبابه داخل البلاد. لكنه استعاد شيئًا من حيويته حين قرر صديقه المجيء إلى القاهرة.. تبدّلت حياته.

بمجيئه أصبح لديهما جدول ثابت للزيارات والبرامج المشتركة، كثيرًا ما تعلو ضحكاتهما أو ترتفع أصواتهما أثناء نقاشاتهما. يتفقان مرة ويختلفان مرات، لكنهما يظلان كأنهما لم يفترقا يومًا. ما أن يبدأ أحدهما قصة من ذكرياتهما حتى يكملها الآخر ضاحكًا. يتباريان في تذكّر مواقف مضحكة أو قاسية من المعتقل.. هكذا مرّت الأيام الأخيرة بينهما. لكنه لم يكن يعلم أن رحلتهما معًا قد شارفت على النهاية، وأنه سيبقى وحيدًا دونه، وأنه سيحمله بيديه إلى حيث يُوارى جسده في ثرى بلاد غريبة لا تشبه ثرى وطنه الذي كان يعشقه بجنون.

لمن سيحكي الآن عن آلامه وأحلامه ومشاكله؟

مع من سيقضي لياليه ساهرًا في أحاديث لا تنتهي عن السياسة وكرة القدم وذكريات الجامعة؟

رفع عينيه إلى جسد صديقه الهامد بنظرة متوسّلة.. ربما يفتح عينيه، ربما يحكّ بأصبعه مؤخرة رأسه كما اعتاد أن يفعل. فعادت نظراته خائبة حسيرة.

تساءل بجزع: هل يستطيع حقًا مواصلة الحياة بدونه؟ كيف يحتمل أن يأتي صباح ينتظر فيه مكالمة لن تأتي؟

هبّ واقفًا فجأة كمن يحاول إيقاف سيل الأفكار برأسه. نظر إليه طويلًا، وخُيّل إليه أنه يشعر بوجوده قربه. شدّ على يده الباردة كالمودّع، ثم اتجه إلى باب الغرفة المغلقة عليهما. تناول منديلًا ورقيًا من صندوق بجانب السرير ومسح دموعًا ما زالت تنهمر من عينيه. توقف للحظة قبل أن يفتح الباب، محاولًا استعادة بعض رباطة الجأش، ثم سار بخطوات حزينة إلى الصالة حيث تجمع عدد غير قليل من الأصدقاء.

غامت عيناه عندما رآهم، وأحسّ أن ساقيه لا تقويان على حمله. عيونهم حمراء من كثرة البكاء، وملامحهم يطغى عليها الحزن بوضوح، وتعالت أصوات النساء ببكاء حاد من الغرفة المجاورة.

تقدّموا جميعًا نحوه. همّ أحدهم باحتضانه وهو ينتحب، لكنه أسرع برفع يديه قائلًا بصوت لا يشبه صوته: الفاتحة.

#ملف_الهدف_الثقافي #قصة_قصيرة #أنصاف_الشفيع #الصداقة_والح.رب #تجربة_الرحيل #أدب_الحداد

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.