آدم كوداري
كانت فاطمة تسند جبينها إلى نافذة الحافلة، تراقب الطريق الترابي يمتدّ مثل خطّ حياة يتلاشى في البعيد. ارتجاف الزجاج تحت أصابعها كان يشبه ارتجاف قلبها؛ قلبٌ لم يعد يعرف أين يقف: بين الرحيل.. أم العودة.
كانت متجهة إلى القرية التي غادرتها قبل عام؛ قرية تركت فيها نصفها الآخر.. وجرحًا لم يلتئم. لم تكن وحدها؛ فخلف المسافة التي تبتلعها الحافلة كان هناك اسم يلاحقها كظلٍّ عنيد: آدم.
آدم الذي أحبّها بصمتٍ يشبه شهوة المطر للأرض، ثم رحل في ليلة واحدة دون وداع، تاركًا لها ورقة مطوية وكلمتين فقط: “سأعود يومًا”. ذلك اليوم لم يأتِ، ولم يكتب لها أين ذهب، ولا لماذا.
لكن الغياب ليس موتًا.. إنه سؤال مفتوح.
حين توقّفت الحافلة عند تخوم القرية، شعرت فاطمة بوخزة باردة تمرّ في عمودها الفقري. كان الهواء هنا أثقل، كأنه يحمل أصواتًا تهمس بأسرار قديمة. مشت بخطوات متردّدة نحو النهر؛ المكان الذي كانا يلتقيان فيه كل مساء.
رائحة الطمي، خرير الماء، ملمس الريح الرطبة.. كلّ ذلك أعاد إليها دفعة واحدة صورًا حاولت أن تهرب منها عامًا كاملًا.
هناك، عند جذع شجرة النخلة الكبيرة، لمحت ظلًّا يقف كأنه خرج من ذاكرتها. اقترب الظل، ومع كل خطوة كان قلبها يطرق مثل بابٍ خائف. وعندما رفع رأسه نحوها، تجمّدت الكلمات في حنجرتها.
كان آدم.
نحيلًا أكثر، ملامحه متعبة، لكن عينيه.. هما نفس العينين اللتين أحبّتهما حتى وهي ترفض الاعتراف بذلك.
قال بصوتٍ مبحوح: “كنتِ ستغادرين من جديد؟”.
لم تجبه. اكتفت بعبور المسافة بينهما بنظرة واحدة؛ نظرة تحمل عامًا من الأسئلة.
اقترب خطوة أخرى: “غبتُ لأني لم أملك شيئًا أقدّمه لك.. لا بيتًا.. ولا مستقبلًا. أردتُ أن أعود رجلًا يستحقّك”.
اهتزّ شيء في صدرها؛ خليط من الغضب والحنين وطمأنينة غريبة: “وكان يجب أن تختفي؟ أن تتركني معلّقة بين غيابك وانتظارك؟” قالتها بنبرة حاولت أن تجعلها قوية، لكنها خرجت مرتعشة.
خفض رأسه، كأنه يعترف بجرم: “لم أكن أعرف كيف أعود.. ولا ماذا أقول. لكني اليوم أقف هنا لأني لم أعد أحتمل الغياب”.
ساد صمتٌ ثقيل. كان النهر وحده يتكلّم.
ثم تقدّم آدم ووضع شيئًا صغيرًا في يدها. كان خاتمًا نحاسيًا بسيطًا، محفورًا عليه حرفا اسميهما.
“لا أطلب قرارًا الآن.. فقط امنحيني فرصة لأشرح كل شيء”.
نظرت إليه طويلًا. كانت تفكّر في عامٍ من الوحدة، في رسائل لم تُكتب، في الضياع الذي عاشته، وفي الحقيقة التي تتسلل الآن إلى قلبها: إنها لم تتوقف يومًا عن حبّه.. لكنها تخاف أن تربط نفسها برجل يجيد الغياب أكثر من البقاء.
رفعت يدها وأغلقت أصابعها على الخاتم: “سأسمعك.. لكن هذه المرة، إذا غبتَ، لن أبحث عنك. ولن أعود إلى هذا النهر ثانية”.
ابتسم آدم بتلك الابتسامة التي كانت تذيب تَصلُّبها دائمًا.. “لن أغيب. ليس وأنا أخيرًا وجدتك”.
ومع غروب الشمس، كانت خطواتهما تتراجع معًا عن حافة النهر.. وعن حافة الغياب.
#ملف_الهدف_الثقافي #قصة_قصيرة #على_ضفة_النهر #الغياب_والعودة #آدم_كوداري #أدب_الحنين

Leave a Reply