عبد الحفيظ مريود
بدلًا من ذهابه إلى بيتهم فى “أبو كارينكا”، فضّلَ جادُ المولى أنْ يذهبَ إلى “عديلة”. لم يكنْ قد مرَّ عامٌ واحد على آخر زيارةٍ لها، لكنّه شديد الولع بعمّته الصغرى. يجدُ فى بيتها دفئًا وأخلاط مشاعر لا يكادُ يجدها فى غير بيتها. كانتِ الإجازةُ الصّيفيّة قد حلّتْ. ركبَ من “الضّعين”، حيث يدرسُ فى المدرسة المتوسطة، ويسكنُ فى داخليّتها، إلى “عديلة”. القطار المتّجه إلى الخرطوم، قلَّ أنْ تجدَ فيه مكانًا، ولكنّه جازفَ رحلته، واقفًا مرّةً، وجالسًا على متاعه القليل، المحزوم جيّدًا، حتّى وصل.
فى الصّباح، وهما يتجوّلانِ فى عديلة، خطرَ له خاطر أنْ يدخلَ إلى زاوية الطّريقة البُرهانيّة. جادله إبنُ عمّته، وصديقه المفضّل محاولًا أنْ يثنيَه. فهما يعرفان أنَّ كبار العائلة إمّا يتّبعان الطّريقة التّجانيّة، أو المكاشفيّة. عدلَ عن رأيه. لكنّه عاد، وحيدًا، بعد صلاة العصر. قابل جماعة، أبدى رغبته، أخذه واحدٌ منهم إلى المرشد، حادثه، وأخذ الطّريق. أعطاه مسبحةً من الأبنوس، قصيرةً ودقيقة الحبّات، يمكنه أنْ يحشرها فى أىّ جيب شاء. أوصاه بالاستغفار، والمداومة على “وِرْد الأساس”.
حين عادَ وأخبر أباه، فيما بعد، فى أبو كارينكا، شجّعه، وذكّره بأنَّ زوج عمّته الكبرى، التى تسكنُ فى مدينة “الرّهد”، هو أيضًا بُرهانىّ. كان جاد المولى مرحًا، هميمًا، ويتجنّبُ المشكلات. سلكَ طريقته البرهانيّة، فرغ من المتوسطة، ودخل مدرسة نيالا الثانويّة. كانت زاوية البرهانيّة قريبة من المدرسة. كان يقضى ما بعد اليوم الدّراسىّ هناك. تقدّم فى الذكر، معرفة الأسرار والأوراد. حتّى أنّه تعلّم شيئًا عن فنون العلاجات الصّوفيّة.
بعد الشهادة الثانويّة، لم يحرز نسبةً تمكّنه من دخول الجامعة، فعملَ موظّفًا فى هيئة تنمية غرب السّافنا. رجعَ ذات إجازةٍ إلى عديلة. كان ينوى أنْ يتقدّم للزّواج من بنت جيران عمّته. صادف حوليّةً للسّادة المكاشفيّة. ولأنّه مولعٌ بالذكر، بالأسرار، وحبٌّ للقوم، ذهب إلى هناك. كان ثمّة مجذوبٌ يدور ويمضى هنا وهنا، مثل عادة المجاذيب. لا تعرفُ أىّ حالٍ يكابدُها، أىّ عوالمٍ منفتحٌ عليها اللّحظة، أىّ تفاصيل دقيقة يطّلعُ عليها. قصده المجذوب، دون غيره، وأخرج من جيب جلّابيته الرّثة، واحدًا من أعواد تنظيف الأذن. تلك البلاستيكيّة التى ينتهى طرفاها بكُرتين قطنيّتين لاصقتين بإحكام، وأدخلها فى جيبه، ومضى.
حين رجع بيت عمّته، أخرج منظفة الأذن من جيبه، ووضعها على التربيزة الصغيرة.
بعد حمّام الصّباح، خطر له أنْ يستخدمها فى تنظيف أذنيه من الشّمع. فعل ذلك. أفطر وخرج مع إبن عمّته إلى السُّوق. وهما فى طريقهما، لاحظ أنّه أصبحَ يسمع كلَّ الأصوات القريبة منه والبعيدة. أصوات النّاس، الحيوانات، الطيور، كلَّ شيئ، فى ذات الوقت. فزع، للوهلة الأولى، ولكنّه لم يخبر إبن عمّته. فى السُّوق، وجدَ أنّه لا يستطيعُ البقاء، فاستأذنَ عائدًا إلى البيت. كان يسمعُ أحاديث الجميع، يمكنُه وهو مستلقٍ على سريره، أنْ يسمعَ الإمرأتين اللتين تغتابان جارتهما فى آخر بيتٍ فى عديلة، أنْ يسمع همس المحبّين، شجار الصّغار فى باحات اللّعب، عمليّات البيع والشّراء فى السُّوق، شجارات الأزواج أو حميمياتهم. كان مشغولًا بالأصوات، مستغرقًا فى تفاصيلها، فى أقضيّتها.
قضى أسبوعين فى عديلة، دون أنْ يتقدّمَ لخطبة البنت. لاحظ إبنُ عمّته أنّه صار كثير الشّرود، يسرح طويلًا، لا يتفاعلُ، ويضحكُ وحده، أحيانًا. لكنّه لم يشكّ فى شيئ. فقد كان جاد المولى، يصلّى صلواته، يمسكُ مسبحته، يأكلُ، يشربُ، يقومُ بتفاصيله اليوميّة، باعتياديّة، غير أنّه صار زاهدًا فى التواصل مع من حوله، منشغلًا بشيئٍ جديد.
رجعَ إلى نيالا. كان يسمع المدينة الكبيرة قاطبةً. يمكنه أنْ يجلس لساعاتٍ فى مكان واحد، وهو يسمع كلَّ أحدٍ وكلّ شيئ فى الوقت ذاته، يميّزُ أصوات الجميع. لم يجدْ شيئًا خارقًا. لم يستشعر اصطفاءً، بالطّبع. لكنّه وجدَ ثقلًا مكينًا فى قلبه. يكادُ صدره، من فرط الثقل، أنْ ينفصل. أنْ ينزل إلى ساقيه أو يهبط إلى الأرض. لم يكنْ يدرى أنَّ مجرّد سماع أصوات الكائنات المحيطة، فى البلدة التى يسكنها، ستكون بهذه الفداحة. لقد انفتح على أكوان من الأسرار، القضايا، التفاصيل، ليستْ من شأنه.
عافر أسبوعًا آخر، قبل أنْ ينتبه إلى أنّه يفقد صار يفقد روحه شيئًا، فشيئًا. قرّر، فى لحظة فارقة، بأنَّ عليه أنْ يتخلّص من هذا الثّقل. ذهبَ، وقتَ العصرىّ، إلى الزّاوية. حضر، أنشدَ، ذَكَرَ، وحين انقشعتِ الحضرةُ البُرهانيّة، واختلى الشّيخ، دخل إليه. جلسَ أمامه، دون أنْ يقولَ شيئًا. نظر إليه الشّيخ نظرةً ذات معنىً، وسأله مستنكرًا: “الوداك تَدَخّل قشّة المجذوب فى أضانك شنو؟”.
اعتدلَ الشّيخ فى جلسته، وأمرَه أنْ يقرّب رأسه. مسحَ الشّيخ على الأذنين، معًا. وقال له “قُم”. صار يسمعُ ما يجبُ على الكائن البشرىّ أنْ يسمعه، دون زيادةٍ أو نُقصان. صار عاديًّا. خرج إلى بائعات الشّاى القريبات من مسجد البرهانيّة، والزّاوية. طلب كوبًا من القّرنفَل. وفيما يشربُ تذكّر أنّه فى عديلة، حين جاءته جحافلُ أصوات الخلائق، ميّز صوت بنت جيران عمّته، وهى تحادثُ خالتها، فى شأن الزّواج. كأنَّ خالتها جاءت بعرضٍ، وتنتظرُ رأيَها. فقد ردّتْ لخالتها بأنّها ستنتظر إبن عمّها حسن جابَك الله ليعود من ليبيا، وستتزوّجه. ذلك هو سرُّ امتناعه عن عرض نفسه عليها. لم يُرِدْ أنْ يفسدَ عليها الانتظار، أنْ يخرّبَ الشَّوق المتشابك مثل شجرة اللبلاب داخلها. يقينُه أنَّك ستربكُ مسارات الأرواح حين تتدخّل، خفيةً، خلسةً، وتأخذُ ما ليس لك. لم يفكّر، بعدها، بالزّواج.
#ملف_الهدف_الثقافي #قصة_قصيرة #الصوفية_والأسرار #الأدب_السوداني #عبد_الحفيظ_مريود #أصوات_بعيدة

Leave a Reply