زكريا نمر
في السنوات الأخيرة برزت أزمة حقيقية في المشهد الأدبي، تتمثل في غياب الحس النقدي وتراجع المعايير التي كانت تشكّل أساس التمييز بين النص الجيد والنص العابر. فقد أصبح كثير من الكتّاب، سواء في الشعر أو السرد أو القصة أو الرواية، يقدمون أعمالًا لا تتجاوز كونها محاولات أولية تفتقر إلى البناء، وإلى جهد المعرفة، وإلى حرارة التجربة الإنسانية التي تمنح الأدب صدقه وفرادته. وشيئًا فشيئًا بدأنا نلمس أن الإبداع ذاته أصبح أمرًا غير مضمون، لأن العمل الأدبي الذي يفقد جوهره وروحه وعمقه لا يمكن أن يترك أثرًا أو يصنع حضورًا.
هذه الأزمة لم تولد من فراغ؛ فالكثير من الكتّاب صاروا يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي اعتمادًا لا إسنادًا، فيقدمون نصوصًا مصقولة في ظاهرها لكنها خاوية في جوهرها. وقد أسهم هذا الاعتماد المفرط في تشويه فكرة الأدب الحديث، وخلق موجة من الأعمال التي تفتقر إلى الشجاعة الخيالية واللمسة الإنسانية التي لا يمكن لأي تقنية، مهما بلغت، أن تستبدلها. وهكذا يواجه الأدب اليوم تحديًا كبيرًا يتعلق بكيفية الحفاظ على أصالته وسط عالم تتكاثر فيه القوالب الجاهزة والنصوص السطحية السريعة.
وفي الجانب الآخر، يعيش النقد الأدبي أزمة لا تقل خطورة. فالناقد الذي كان ضمير الأدب وعينه اليقظة، أصبح في كثير من الأحيان قارئًا عابرًا يفتقر إلى التكوين النظري والمدرسة النقدية الرصينة التي تمنحه القدرة على التحليل والتفكيك واكتشاف مكامن القوة والضعف. ومع انتشار المجاملات وغياب الموضوعية، تراجع دور النقد وتحول إلى ممارسة شكلية لا تقدم للأدب ولا للكاتب أي قيمة حقيقية. بل إن بعض النقاد باتوا يسعون للفت الأنظار بوسائل رخيصة لا تخدم الحركة الأدبية ولا تطورها، وإنما تخلق ضجيجًا فارغًا يزيد المشهد تشويشًا.
إننا نعيش مرحلة حساسة تتطلب مراجعة جذرية: مراجعة للكاتب كي يعود إلى صوته الخاص بدل الاتكاء على قوالب جاهزة، ومراجعة للناقد كي يستعيد صرامته وضميره المهني، ومراجعة للقارئ كي يعيد اكتشاف متعة القراءة العميقة لا الاستهلاك السريع للنصوص الخفيفة.
لا يمكن للأدب أن ينهض في بيئة تستسلم للسهولة، ولا للكاتب أن يكتشف صوته ما لم يغامر في أعماق تجربته الإنسانية، ولا للنقد أن يستعيد مكانته ما لم يتحرر من المجاملات ويعود إلى مهمته الأولى: كشف الحقيقة الأدبية بلا خوف ولا تملق. إن مستقبل الأدب لن يُصان بالاستعراض ولا بالضجيج، بل بالعودة إلى الجهد والصدق، والإيمان بأن الكلمة ما تزال قادرة على إعادة تشكيل الوعي.
وإذا لم يواجه الكاتب والناقد والقارئ هذه الأزمة بشجاعة، فسنستيقظ على مشهد ثقافي بلا ذاكرة، وأدب بلا روح، وإبداع بلا أثر. فالأدب الحقيقي لا يُكتب من الخارج، بل يولد من اشتعال الداخل، وكل ما عداه مجرد ظلال لا تصنع مستقبلًا.
-
كاتب من جنوب السودان
#ملف_الهدف_الثقافي #أزمة_الإبداع #النقد_الأدبي #الذكاء_الاصطناعي #أصالة_الأدب #التكوين_النقدي

Leave a Reply