أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
بينما تتصدر حروب أخرى عناوين الأخبار الدولية، تمر المأساة السودانية تحت سحب من التعتيم الإعلامي المُخيّم، وكأن آلاف الضحايا والملايين من النازحين ليسوا سوى أرقاماً تائهة في تقارير الأمم المتحدة المنشورة على الرفوف. هذه ليست مجرد حرب أخرى، بل هي اختبار حقيقي للضمير العالمي، وشاهد على ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي اليوم.
تشير آخر التقارير إلى تجاوز عدد الضحايا 15 ألف قتيل، ووصول عدد النازحين إلى 8 ملايين، لكن وراء هذه الأرقام تكمن قصص لم تُحكَ بعد. قصص عن استخدام أسلحة محظورة دولياً ضد أحياء سكنية، وتدمير ممنهج للمستشفيات والمدارس ومصادر المياه، في إستراتيجية واضحة لتحطيم إرادة الحياة نفسها. المشهد لا يختلف عن إبادة جماعية تتم على مرأى من العالم، لكنها هذه المرة لا تحظى باهتمامه.
والمأساة السودانية ليست استثناءً في سياق الصمت الدولي، بل هي حلقة في سلسلة من الجرائم التي ترتكب أمام أنظار العالم. ففي فلسطين، تستمر عمليات التهجير القسري والاستيطان تحت سمع المجتمع الدولي وبصره، بينما في اليمن، أدت الحرب إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفقاً للأمم المتحدة، وما تزال تداعيات الغزو الأمريكي للعراق تمتد حتى اليوم بعد عقود من تدمير البنية التحتية وتمزيق النسيج الاجتماعي. جميع هذه الجرائم تتشارك في صفة أساسية: اللامبالاة الدولية والتواطؤ الفعلي لقوى تدعي حماية حقوق الإنسان.
يكمن جزء من المأساة في الصمت الدولي المطبق، صمتٌ تغذيه مصالح جيوسياسية واقتصادية متشابكة. تحالفات خفية مع أطراف النزاع، وتدفق للأسلحة عبر شركات ومرتزقة لا تعترف إلا بلغة المال، كلها عوامل تساهم في إطالة أمد المعاناة. وفي حين تُعتبر أزمات أخرى (أكثر أهمية) أو (أكثر إستراتيجية)، يُترك السودان لينزف في صمت، وكأن قيم حقوق الإنسان التي تُرفع شعاراتها في المحافل الدولية هي مجرد حبر على ورق.
لكن وسط هذا الظلام، لا تزال أصوات السودانيين تخترق جدار الصمت. نشطاء يوثقون الانتهاكات بلحظتها، ومبادرات إغاثة محلية تعمل في ظروف بالغة الخطورة، وفنانون وأدباء يحولون المأساة إلى أعمال إبداعية تكون أحياناً سلاحهم الوحيد لمواجهة النسيان. وسياسيون ينادون بتكوين جبهة شعبية عريضة للديمقراطية والتغيير، هؤلاء لا ينتظرون إنقاذاً دولياً، بل يخلقون طرقهم الخاصة للبقاء والمقاومة.
لكن جهودهم وحدها لا تكفي، فكسر الصمت العالمي يتطلب ضغوطاً شعبية ومؤسسية على الحكومات والمنظمات الدولية، ودعماً لوسائل الإعلام المستقلة التي ترفض أن تكون جزءاً من مؤامرة الصمت، ومقاطعة للدول والشركات التي تزيد في الحرب من خلال دعمها. كما يتطلب تحويل منصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتسلية إلى منابر للتوعية والضغط.
في النهاية، السودان لا يموت فقط بسبب القنابل، بل بسبب الصمت العالمي الذي يغذيها، وفي وقت تُقاس فيه إنسانيتنا بموقفنا من المعاناة الإنسانية أينما كانت، فإن الصمت تجاه جريمة الحرب في السودان هو تواطؤ معها. ليس من المعقول أن يستمر العالم في مناقشة حقوق الإنسان بينما يتجاهل جريمة تتم الآن، والواجب الأخلاقي والإنساني يحتم علينا أن نرفع أصواتنا عالياً، لأن الصمت هو أقوى سلاح في يد الجلاد.

Leave a Reply