عبدالعزيز الجنيد
في الذكرى الرابعة والخمسين لثورة أكتوبر، وبرغم مرور هذه السنوات، لم تكن ثورة أكتوبر ظاهرةً أو حدثاً منفصلاً بذاته في السياق التاريخي السوداني، وإنما كانت فعلاً جمعياً لتحقيق الحلم الوطني المتمثل في المشروع النهضوي لتأسيس الدولة (الفكرة).
لذلك، يمكن وصف الثورة، في أرقى تجلياتها، بأنها حالة من الاستبداد الجمالي ضد القبح السياسي بكل أشكاله: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالتزامن مع إنتاج مشروعها الجمالي باعتباره احتفاءً وتوثيقاً جمالياً لهذا الفعل النهضوي. وكانت الأناشيد والأشعار الأكتوبرية شاهداً حياً على ذلك، بالتزامن مع الحراك الثوري.
ويمكن القول إن انتفاضة أبريل وثورة ديسمبر هما أكتوبر في أرقى تجليات الفكر الثوري الإبداعي المستمر، باعتبار أن ثورة أكتوبر حالة ذهنية راسخة في الوعي والوجدان السوداني.
وفي هذا الصدد، يمكننا أن نقرأ بوضوح دور الفنون في إذكاء روح الثورة وجذوتها، وهو ما يتجلى في تداعيات الخطاب الشعري والأناشيد والملاحم الأكتوبرية التي اكتسبت صفة الخلود بلا منازع.
ومن هنا، يمكن قراءة بعض أوجه التشابه والمشتركات الجمالية بين أكتوبر وأبريل وديسمبر. فقد كان للأناشيد الأكتوبرية حضور فاعل في انتفاضة أبريل وثورة ديسمبر، وشكّلت حضوراً جمالياً كثيفاً في استدعاء الفعل الثوري واستنهاض العزيمة لمواصلة مسيرته.
صحيح أن لكلٍّ من أبريل وديسمبر أناشيدها الثورية الخاصة، لكن الاختلاف الجمالي يكمن في أن أناشيد أكتوبر تندرج ضمن ما يُعرف بالواقعية الثورية، بينما تمثل أناشيد أبريل، في خطابها الشعري، مزيجاً من الواقعية والرومانسية الحالمة. أما الخطاب الشعري في أناشيد ديسمبر، فيتجلى في حالة من الهيام العفوي والفرح المفرط، الذي استحال لاحقاً إلى خطاب شعري تسيطر عليه النزعة البكائية لدى كثير من الشعراء، ولا سيما بعد الفاجعة المأساوية لفض الاعتصام.
ويصف الشاعر العظيم أزهري محمد علي تلك اللحظة قائلاً:
«مرقتنا ما راحت شمار في مرقة،
ودخلنا في وكر الأفاعي السامة…
شن طعم القيادة؟ قايلين بي وراها نشامى…»
إن الحديث عن أكتوبر وأبريل وديسمبر حديث ذو شجون، لكن يبقى الأمل في أن أكتوبر مستمرة؛ لأنها حالة ذهنية متجذرة في جينات أبريل وديسمبر.
ونحن في انتظار شهر قادم لم يُسمِّ نفسه بعد، ولكنه آتٍ بمنطق الحتمية، وبتوقيت أكتوبر المستمر في أمتنا منذ الأزل.

Leave a Reply