هذه الصورة ليست مجرد مشهد لقطار يقف وسط الرمال، بل تختصر جانباً من أزمة مرفق استراتيجي كان يوماً شرياناً للحياة الاقتصادية والاجتماعية في السودان. فمن وادي حلفا إلى الخرطوم، ومن عطبرة إلى سواكن ومدني والأبيض، أسهمت السكك الحديدية في ربط مناطق الإنتاج بالأسواق والموانئ، ونقل المحاصيل والوقود والبضائع والركاب عبر مسافات شاسعة، لتكون جزءاً أساسياً من بناء الاقتصاد الوطني وتكامل جغرافيا البلاد.
لكن تراجع هذا القطاع، بفعل تراكمات الإهمال وضعف الصيانة وسوء الإدارة والسياسات التي أضعفت المرافق العامة، حوّل جانباً من إمكاناته إلى طاقات معطلة، وأثّر في حركة النقل والتجارة، وزاد الأعباء على المواطنين والمنتجين. ولم يكن تدهور السكة الحديد مجرد خسارة لوسيلة نقل، بل مساساً بأحد مقومات التنمية المتوازنة، خصوصاً في بلد واسع يعتمد على نقل المحاصيل والسلع بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
إن القطار الساكن وسط الرمال يثير سؤالاً يتجاوز المشهد: كيف يمكن لبلد يمتلك هذه المسافات والموارد أن يترك مرفقاً بهذه الأهمية يتراجع؟ إن إعادة تأهيل السكك الحديدية ليست ترفاً، بل ضرورة اقتصادية وتنموية، تتطلب صيانة البنية التحتية، واستعادة الكفاءة التشغيلية، والاستفادة من الخبرات الوطنية. فبإحياء هذا الشريان، يمكن تقليل كلفة النقل، وتنشيط الإنتاج والتجارة، وربط المناطق المعزولة، ووضع أحد أسس التنمية المستدامة على مسار التعافي.

Leave a Reply