محمد شريف
تجيء الذكرى المجيدة لثورة 21 أكتوبر 1964 في السودان لتفتح من جديد سفراً فارقاً في التاريخ السياسي والاقتصادي للدول الناشئة في أفريقيا والمنطقة العربية. لم تكن ثورة أكتوبر مجرد هبة شعبية أطاحت بنظام الفريق إبراهيم عبود العسكري، بل كانت تدشيناً مبكراً لمعركة الوعي القومي بأسئلة الاستقلال الاقتصادي وسيادة القرار الوطني.
إن قراءة المسار الممتد من أكتوبر 1964، مروراً بانتفاضة أبريل 1985، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018، تكشف كيف ظل الاقتصاد المحرك المكتوم للتغيرات السياسية، وكيف تطورت علاقة السودان بالمؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي والمؤسسات الأمريكية للتنمية، وما حمله شعار «لن يحكمنا البنك الدولي» من دلالات عبر محطات الرفض والاستسلام، ثم الانهيار الداخلي.
أكتوبر 1964: التحديث الفوقي وميلاد سؤال السيادة
صعد نظام إبراهيم عبود (1958–1964) إلى السلطة متكئاً على خيار التحالف التنموي مع المعسكر الغربي في ذروة الحرب الباردة. وتحركت الخرطوم حينها بمرونة لاستقطاب قروض البنك الدولي وتسهيلات المعونة الأمريكية (USAID)، لتمويل «الخطة العشرية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية». ونجحت الحكومة في إنجاز مشروعات بنيوية كبرى، تمثلت في إنشاء سدي الروصيرص وخشم القربة، وتوسعة مشروع الجزيرة عبر امتداد المناقل، ومد خطوط السكك الحديدية إلى أطراف السودان الغربية والجنوبية، لتسهيل ربط مناطق الإنتاج بالتصدير.
غير أن هذا النموذج الاقتصادي القائم على التحديث الفوقي والاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي رافقه انسداد في الفضاء السياسي، وقمع للحرية النقابية، وشعور متنامٍ لدى النخب التعليمية والعمالية برهن الإرادة الوطنية. وتبلورت في أوساط الحركة النقابية والأحزاب الوطنية خشية حقيقية من إدماج البلاد القسري في التبعية الاقتصادية، ليخرج الشارع السوداني في أكتوبر 1964، مسقطاً الحكم العسكري الأول، ومؤسساً لشعار يرفض الوصاية الدولية. وهكذا تحولت مقولة «لن يحكمنا البنك الدولي» إلى إعلان سياسي مبكر للمطالبة بالتنمية المستقلة وإدارة الموارد الوطنية بإرادة حرة.
أبريل 1985: الانكفاء تحت الساطور الهيكلي
إذا كان التخوف من البنك الدولي في الستينيات ينبع من المنظور الفكري للحفاظ على استقلال الاستراتيجيات الوطنية، فإن انتفاضة مارس/أبريل 1985 جاءت رداً مباشراً على اكتواء الجماهير بالآثار المباشرة لوصفات المؤسسات المالية الدولية. فقد خضعت سلطة مايو، في سنواتها الأخيرة، لبرامج «التثبيت والتكيف الهيكلي» التي أوصى بها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بعد أن أثقلت البلاد بالديون الخارجية وعجزت عن السداد.
فرضت تلك البرامج تحرير الأسعار، وخفض القيمة التبادلية للجنيه السوداني، والتخلي التدريجي عن دعم السلع الأساسية، وعلى رأسها الخبز والسكر. وتحول الاقتصاد السوداني إلى مسرح لتضخم جامح وتدهور في القوة الشرائية للطبقتين الوسطى والفقيرة، بينما تزايد النفوذ السياسي المباشر للولايات المتحدة عبر المعونة الأمريكية، التي أضحت أداة للضغط الجيوسياسي وتأمين المصالح الاستراتيجية.
ورفع الشارع السوداني في أبريل 1985 شعار «لن يحكمنا البنك الدولي» مجدداً، لكنه هذه المرة لم يكن مجرد موقف أيديولوجي، بل كان صرخة ضد الغلاء والجوع والتفقير المنظم الذي أحدثته الصدمات الهيكلية المتتالية، لتسقط الانتفاضة نظام نميري وسط أزمة ديون خنقت الدولة بعشرات المليارات من الدولارات.
ديسمبر 2018: الانهيار في غياب البنك الدولي والتمكين الداخلي
تجلت إحدى أكبر مفارقات الاقتصاد السياسي السوداني في ثورة ديسمبر 2018، التي أفضت إلى سقوط نظام البشير في أبريل 2019. فطوال ثلاثة عقود من حكم نظام عمر البشير (1989–2019)، ظل السودان معزولاً ومحرومًا من التمويل المباشر للبنك الدولي، ومدرجاً على قائمة الدول الراعية للإرهاب، في ظل الحظر الاقتصادي الأمريكي الواسع وتوقف جانب كبير من المساعدات التنموية الثنائية.
ورغم الشعار التاريخي الذي طالما تردد ضد البنك الدولي، ورغم غياب المؤسسات الغربية عن المشهد المالي الرسمي بدرجة كبيرة، ثار السودانيون على النظام لأسباب اقتصادية ومعيشية كانت من أشد الأزمات قسوة في تاريخ البلاد الحديث.
وأثبتت تجربة «الإنقاذ» أن غياب الوصفات الخارجية لا يعني تلقائياً تحقيق العدالة الاقتصادية، إذا استُعيض عنها بـ«اقتصاد التمكين» والطفيلية السياسية. فقد مارس النظام المحلي شكلاً واسعاً من التدمير الاقتصادي عبر احتكار شركات تابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية مفاصل الاقتصاد، والسيطرة على الموارد، ومنها الذهب والصادرات الزراعية، مع اللجوء المفرط إلى طباعة العملة لتمويل إنفاقه السياسي والعسكري. وأدى هذا النهج إلى تضخم قياسي، وانهيار قيمة الجنيه السوداني، وسحق القدرة الشرائية للمواطن، الذي بات يصارع لتأمين احتياجاته الأساسية.
واندلعت ثورة ديسمبر لتعبر عن مأزق مركب؛ إذ ثار الشعب ضد استبداد داخلي نهب الموارد الوطنية، واقتصاد موازٍ أضعف الدولة وأفقرها، في وقت كانت فيه البلاد مكبلة بمتأخرات ديون طائلة حرمتها من الاستفادة من مبادرات الإعفاء الدولي، مثل مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون «هيبك».
التحديات الهيكلية والدرس التاريخي
تؤكد المقارنة بين الثورات الثلاث أن المشكلة المحورية في السودان لم تكن محصورة في طبيعة العلاقة مع البنك الدولي والمعونة الأمريكية، بين التبعية والقطيعة، بل امتدت إلى غياب مشروع وطني للتنمية المستدامة والاستقرار المؤسسي.
ففي عام 1964، كان الرفض موجهاً إلى مخاطر التبعية وصيانة السيادة الوطنية في مهدها. وفي عام 1985، تركز الرفض على مواجهة النتائج المباشرة لبرامج التكيف الهيكلي التي أفقرت قطاعات واسعة من المجتمع. أما في عام 2018، فجاء الانفجار الشعبي ضد نموذج محلي فاسد أثبت أن الاستبداد الداخلي قادر على إعادة إنتاج نتائج اقتصادية واجتماعية كارثية، بل وبصورة أشد إيلاماً.
إن الشعار التاريخي «لن يحكمنا البنك الدولي» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره رفضاً للاندماج في الاقتصاد العالمي، أو للتكنولوجيا والتمويل التنموي، بل بوصفه بوصلة سياسية تؤكد أن النهوض الاقتصادي الحقيقي لا يُستورد عبر القرارات والإملاءات الخارجية، ولا يتحقق برفع شعارات مناهضة للغرب بينما تُستنزف الموارد الوطنية في الداخل بعيداً عن الرقابة والمساءلة.
إن الدروس الممتدة منذ أكتوبر 1964 تضع الاقتصاد السياسي السوداني أمام حقيقة أساسية: لا بديل عن بناء دولة المؤسسات، وسيادة حكم القانون، وإدارة الموارد الوطنية بشفافية، وإقامة سلطة مدنية قادرة على صياغة مشروع تنموي يستند إلى الإرادة الوطنية الحرة، ويضع مصالح المواطنين وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية في صدارة الأولويات.

Leave a Reply