د. عادل الطيب عبد النور
لمشاريع والصفقات المعروضة تحت لافتة الشراكة تستدعي التريث لا الانبهار، والتدقيق الرشيد قبل اتخاذ أي خطوة تجعل السودان رهيناً لالتزامات طويلة الأجل. ففي يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، قدّم النائب الأمريكي جيم بيرد، عن ولاية إنديانا، مشروع القانون رقم 10795 بعنوان «قانون الاستثمار في المعادن والشراكة والزراعة والتجارة مع السودان»، المعروف اختصاراً بـ«قانون إمباكت» (IMPACT). ويكلّف مشروع القانون وزير الخارجية بالسعي إلى إقامة «شراكة أمريكية ـ سودانية في الزراعة والمعادن»، تقدّم الولايات المتحدة بموجبها آليات زراعية وتقنيات للري والتصنيع، ومعدات للمسح الجيولوجي والتعدين، مقابل معادن يستخرجها السودان أو ينتجها. ولم يُخفِ صاحب المشروع دوافعه؛ فمعادن السودان، بحسب تصريحه، يمكن أن توسّع إمدادات المواد التي يستخدمها الأمريكيون يومياً في هواتفهم وسياراتهم.
يُطرح هذا المشروع وبلادنا تدخل عامها الرابع من الحرب، بلا حكومة مدنية ولا برلمان ولا مؤسسات رقابية قادرة على التفاوض أو المساءلة. وحين يصوغ برلمان أجنبي الشروط التي قد تُبادَل بها ثروات السودان في غياب من يمثّل أهله، فإن الأمر يستدعي وقفة من الشرفاء والمهنيين في بلادي، ولن نستطيع الصمت تجاهه.
بعد ثلاث سنوات ونصف من الحرب، تأكد مقتل أكثر من 50 ألف شخص، ونزح قسراً أكثر من 11 مليون إنسان، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما يحتاج أكثر من 20 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية. وتشير التحذيرات إلى أن تداعيات الحرب والجفاف تدفعان أعداداً كبيرة من السكان في دارفور وكردفان نحو المجاعة، نتيجة عجز النازحين عن إنتاج قوتهم، وانخفاض معدلات هطول الأمطار عن مستوياتها المعتادة.
أما الاقتصاد فقد توقف، أو كاد. وشهد الجنيه تراجعاً دراماتيكياً، مصحوباً بمعدلات تضخم غير مسبوقة في الفترة السابقة للحرب. وأوقف تجار في عدة ولايات البيع إلى حين استقرار الأسعار. ويشير اقتصاديون إلى سبب مقلق، يتمثل في شراء السلطات الدولار من السوق السوداء لتمويل صفقات السلاح والوقود، بينما تعطلت معظم مصادر توليد الدخل، مثل الزراعة والصناعة والخدمات. ودُمّرت محطات الكهرباء ومرافق المياه والمستشفيات والجسور أو نُهبت، ويعيش الملايين بلا كهرباء منتظمة أو مياه نظيفة أو خدمات صحية.
والمتتبع لتفاعل المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، يرى أن دبلوماسيتها كانت صادقة في أقوالها، شحيحة في نتائجها. فمنذ فبراير من هذا العام، ظل مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس للشؤون العربية والأفريقية، يبشّر مراراً بهدنة إنسانية وشيكة وخريطة طريق، لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق. وفي الرابع من أكتوبر، رشحت الأخبار لقاءً جمعه بالفريق البرهان في العلمين الجديدة بمصر، مؤكداً دعم واشنطن «لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه»، ولمقترح هدنة مدتها تسعون يوماً، ولا تزال تلك الهدنة حبراً على ورق.
ولا يخفى سبب تراجع السودان في سلّم أولويات واشنطن؛ فمنذ فبراير، تستغرق الولايات المتحدة حربها مع إيران وأزمة مضيق هرمز، وهي أزمة فاقمت الجوع في السودان ذاته برفعها أسعار الوقود والأسمدة. كما تستنزف انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في الثالث من نوفمبر، ما تبقى من الاهتمام السياسي، فيما يكاد كل جار من جيران السودان يكون، في وقت ما، ممراً أو سوقاً أو ملاذاً لأحد طرفي الحرب.
والإنصاف يقتضي الاعتراف بما في «مشروع قانون إمباكت» من إيجابيات. فهو لا ينشئ شراكة قائمة اليوم، بل هو مقترح أُحيل إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب دون أي راعٍ مشارك. وتحظر مادته الثالثة قيام أي شراكة قبل أن يقرر وزير الخارجية أن «سلطة حاكمة شرعية بقيادة مدنية في السودان» قد حققت تحسناً ملموساً في حماية المدنيين والاستقرار السياسي والإدارة الرشيدة للموارد. وهذه شروط جيدة تتجاوز ما تتضمنه معظم صفقات الموارد.
لكن الشروط المكتوبة في واشنطن ليست ضمانات مكتوبة في الخرطوم، وثمة مخاوف واستفهامات تستحق التوقف عندها:
أولاً: من يقرر الشرعية؟
بموجب المشروع، يشهد مسؤول حكومي أجنبي واحد بما إذا كانت حكومة السودان شرعية بما يكفي لمبادلة معادن البلاد. لكن الشرعية في السودان لا تُمنح من الخارج، بل يمنحها السودانيون عبر عملية سياسية ذات مصداقية. ومثل هذه الشهادة قد تخلق حافزاً منحرفاً؛ فأي فصيل، في بورتسودان أو في نيالا، يستطيع أن يرتدي ثوباً مدنياً، وقد يجد طريقاً إلى الاعتراف الأمريكي والعائدات. ويمكن الربط بين رسالة البرهان إلى الرئيس ترامب في 15 أكتوبر وتقديم المشروع، كما أن مجرد احتمال عقد صفقة للمعادن قد يوجّه سلوك طرفي الصراع وحاملي السلاح قبل أن تنتقل أوقية واحدة من يد إلى يد.
ثانياً: المقايضة ليست شراكة
نموذج المشروع، القائم على تقديم المعدات والمساعدة الفنية «مقابل» المعادن، هو نموذج «الموارد مقابل البنية التحتية» الذي تعرفه أفريقيا جيداً، وموطن ضعفه الأساسي هو التسعير. فعندما تقايض دولة منهكة، تفتقر إلى النقد، ذهبها وكرومها وعناصرها النادرة الناضبة بآليات يحدد الطرف الأقوى قيمتها، نادراً ما تأتي الشروط لصالح الطرف الأضعف. ولم يُظهر ما رُشّح عن المشروع تفاصيل كافية بشأن التقييم والتثمين، أو الإفصاح عن العقود، أو محاسبة العائدات، أو التصنيع المحلي، أو مصادقة هيئة تشريعية سودانية.
ثالثاً: الأرض والناس
يعيل قطاع التعدين الأهلي للذهب نحو مليوني سوداني، وينتج ما يقارب 70% من إنتاج البلاد. ووراء عبارة «المعادن المشمولة» ومواقعها الجغرافية قرى ومسارات رعي وآبار ومقابر وغيرها من مقومات حياة المجتمعات المحلية. ومع ذلك، لا يذكر المشروع شيئاً عن حيازة الأرض، أو الموافقة الحرة والمسبقة للمجتمعات المحلية، أو معايير إعادة التوطين والتعويض.
رابعاً: تحديات الحوكمة وضبط الموارد
تشير البيانات الدولية إلى أن غياب الرقابة الموحدة أدى إلى سلسلة من التسربات في عائدات الثروات المعدنية عبر قنوات مختلفة. ومن هذا المنطلق، فإن الاستعجال في فتح مسارات جديدة لتصدير المعادن في هذه المرحلة قد يزيد صعوبة ضبط العائدات وتوجيهها إلى المصلحة الوطنية العامة، وهو ما يستدعي التريث إلى حين توحيد المؤسسات السيادية والرقابية.
خامساً: التاريخ يدعو إلى التريث
يتذكر السودانيون كيف موّلت عائدات النفط، في التسعينيات ومطلع الألفية، الحرب بدلاً من التنمية. ويتذكر العالم نفط العراق بعد عام 2003، والثروة المعدنية «التريليونية» التي رُوّج لها في أفغانستان ولم تحقق رخاءً ملموساً للأفغان. وعليه، فإن دبلوماسية الموارد في الدول الهشة، مهما حسنت النوايا، سجلها ضعيف في جلب السلام والرخاء للسكان الذين يعيشون على الأرض.
تؤكد مبادئ الأمم المتحدة السيادة الدائمة للشعوب والأمم على ثرواتها الطبيعية، وحقها في تنميتها الوطنية وتحقيق رفاه شعوبها. فذهب السودان وسهوله الطينية الخصبة ومياه نيله وأحزمته المعدنية ليست ملكاً لأي جهة، بل هي أمانة لأجيال لم تولد بعد. وعليه، أطرح بوضوح رؤيتي بشأن المشروع الأمريكي وما ينبغي القيام به:
-
تجميد وطني لأي امتياز تعدين جديد طويل الأجل، أو إيجار أراضٍ، أو اتفاق «موارد مقابل سلع»، إلى أن تتوقف الحرب، ويكتمل قيام حكومة مدنية ذات تفويض وطني واسع، وتتكون هيئات تشريعية انتقالية تتولى مراجعة هذه الاتفاقات.
-
إخضاع أي اتفاق مستقبلي، أمريكياً كان أو خليجياً أو صينياً أو روسياً أو تركياً، للنشر الكامل والتقييم المستقل والمصادقة من هيئة تشريعية سودانية، مع إلزامه بضمانات نافذة لحقوق الأرض، وموافقة المجتمعات المتأثرة، وحماية البيئة.
وإلى أصحاب «قانون إمباكت» أقول: إن كان همّكم حقاً حماية المدنيين، فعدّلوا المشروع، واجعلوا مصادقة هيئة تشريعية سودانية منتخبة أو ممثّلة تمثيلاً واسعاً شرطاً أساسياً. واشترطوا الشفافية الكاملة للعقود وموافقة المجتمعات، واحظروا أي منفعة لأي طرف مسلح تحوم حوله شبهات جدية بارتكاب فظائع أو تهريب المعادن. عندئذٍ يصبح المشروع رافعةً للسلام، لا عربوناً على مواردنا.
نداء إلى المهنيين السودانيين
لا يستطيع أي رأس مال أجنبي أن يحمي ما نهمله نحن. لذا أدعو الخبراء الجيولوجيين، ومهندسي التعدين، والقانونيين، والاقتصاديين، والزراعيين، والصحفيين، والاستراتيجيين، وجالياتنا الواسعة في المهجر، إلى اليقظة والعمل على تكوين «مرصد سوداني لسيادة الموارد»، تديره هيئة مستقلة غير حزبية، تتولى رسم خرائط الامتيازات ومالكيها، وجمع العقود ونشرها، وتتبع مسارات الذهب، وتوثيق التهجير، وتقديم الأدلة إلى البرلمانات والمحاكم في واشنطن والخرطوم. وعلينا مخاطبة الكونغرس الأمريكي قبل مناقشة المشروع في اللجنة، لا بعد إقراره.
وفوق كل شيء، علينا أن نداوي انقساماتنا. فعلى القوى المدنية، من «صمود» ومن هم خارجها، ولجان المقاومة، والنقابات المهنية، والحركات الشبابية، والإدارات الأهلية، والنازحين، وعامة أهل السودان، طيّ الخلافات حتى لا يقرر حملة السلاح مصير بلادنا. لسنا مطالبين بالاتفاق على كل شيء، بل على حد أدنى يتمثل في إنهاء الحرب، وقيام جيش وطني مهني واحد، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية، وتحقيق العدالة للضحايا، وصون السيادة على مواردنا. وإذا توحدنا في جبهة مدنية، فلن نترك لأي جهة أجنبية أن تختار لنا قادتنا، لأننا سنكون قد اخترناهم بأنفسنا.
السودان يرحّب بالشركاء، ولا حاجة له بالمشترين. وطننا ليس منجماً يُفرغ بينما يُدفن أهله، بل وطن يُعاد بناؤه بأيدي أبنائه، وتحت حكم قانونه، ومن أجل أطفاله.
دمتم ودام السودان.

Leave a Reply