المجاعة تطرق الأبواب.. الحرب والفساد والجوع وانهيار الجنيه ولا حياة لمن تنادي

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار

المجاعة في السودان ليست شبحاً بعيداً كما يدّعي المنكرون، فكل الشواهد تقول إنها على مرمى حجر، وأصبح خطرها يهدد ملايين المواطنين في بلد يمتلك أراضي زراعية واسعة وموارد قادرة على توفير الغذاء. والمفارقة أن الجوع يتمدد في أرض كان يمكن أن تصبح سلة غذاء إقليمية، بينما تتراجع قدرة الدولة على الإنتاج والإطعام.

ففي تحذير أممي صدر في 16 أكتوبر 2026، قالت دينيس براون، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان، إن مخزونات المساعدات الغذائية والتغذوية مهددة بالنفاد بحلول مطلع عام 2027، ما لم يتوفر تمويل عاجل. وحذرت من تفاقم سوء التغذية، خصوصاً وسط الأطفال والنازحين، في ظل تراجع الأمطار واتساع الاحتياجات الإنسانية.

لكن الأزمة ليست مناخية وحدها؛ إنها حصيلة حرب عطّلت الإنتاج والتجارة والنقل، وموسم زراعي يواجه صعوبات حادة، وفساد يستنزف الموارد، وخدمات صحية ومائية متدهورة. وقد أدى ارتفاع تكاليف الوقود والتقاوي والأسمدة إلى إنهاك المزارعين، فيما أسهم تراجع المعروض وارتفاع تكاليف النقل في زيادة أسعار الغذاء.

ويضاعف انهيار قيمة الجنيه السوداني الأزمة، إذ ترتفع تكلفة السلع المستوردة وتتآكل القوة الشرائية للمواطنين. وهكذا، لا تتمثل المشكلة في غياب الطعام وحده، بل في عجز الأسر عن شرائه. وتكشف السياسات الاقتصادية غير المدروسة خطورتها حين تُتخذ قرارات تجارية، مثل إيقاف استيراد الفول المصري، دون ضمان كفاية الإنتاج المحلي واستقرار الإمدادات والأسعار؛ فحماية المنتج الوطني لا تتحقق بمنع الواردات وحده، وإنما بزيادة الإنتاج وتوفير مدخلاته ومنع الاحتكار.

كما لا يمكن فصل الكارثة عن انقلاب أكتوبر 2021 والحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، وما خلّفاه من اضطراب مؤسسي وتعطيل للاقتصاد. ويستدعي ذلك مراجعة السياسات التي عمّقت الأزمة، والاستفادة من توصيات اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير وغيرها، وفق تقييم موضوعي لمدى ملاءمتها للواقع الراهن.

لكن ماذا يمكن فعله قبل أن تنفد مخزونات الإغاثة؟

أولاً، وقف الحرب وفتح ممرات آمنة ومستدامة للمساعدات، وضمان وصولها إلى مستحقيها. ثانياً، تمويل صغار المزارعين في المناطق الآمنة بالتقاوي والأسمدة والوقود والتمويل الموسمي، مع دعم الري والتخزين والنقل. ثالثاً، مراجعة قرارات الاستيراد والتصدير وفق بيانات الإنتاج والمخزون والأسعار، بحيث لا يُمنع استيراد سلعة أساسية قبل التأكد من كفاية البديل المحلي. رابعاً، تقديم تحويلات نقدية أو قسائم غذائية للأسر الفقيرة حيث تعمل الأسواق، وسلال غذائية حيث تتعطل. خامساً، نشر بيانات المساعدات والعقود والمشتريات، ومراقبة الأسعار، ومحاسبة المتلاعبين والمنتفعين من الأزمة.

المجاعة ليست قدراً محتوماً، لكنها نتيجة يمكن تفاديها بقرارات عاجلة. فكل يوم تستمر فيه الحرب، وكل موسم يُهدر، وكل سياسة تُتخذ بلا حساب لعواقبها، يقرّب الجوع من أبواب ملايين السودانيين.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.