السودان يستورد أزمته ويصدّر ذهبه

صحيفة الهدف

د. امتثال بشير

مؤشرات اقتصادية متنامية تؤكد الإسهام المباشر لانخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار في تقلب موازين التجارة الخارجية، وأصبحت الصادرات تموّل الصراع بدلاً من خزينة الدولة. وبهذا، لم يعد العجز في الميزان التجاري السوداني مجرد رقم محاسبي، بل أصبح المرآة الأوضح لانهيار الدولة الإنتاجية. ففيما تستورد البلاد ما قيمته 4.5 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط، لا تتجاوز صادراتها 1.8 مليار دولار، لتتسع الفجوة إلى 2.7 مليار دولار، يمولها المواطن مباشرة من قوته اليومي عبر التضخم وانهيار الجنيه.

وبالنظر إلى الأرقام الصادمة جراء الحرب، تشير أحدث البيانات الرسمية للنصف الأول من العام الجاري 2026، وتقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في أكتوبر الجاري، إلى أن الاقتصاد السوداني فقد 39% من حجمه الحقيقي خلال عامين من القتال.

وسجل العجز في الحساب الجاري مستوى تاريخياً متوقعاً عند 14.6% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026، وهي نسبة لا تتحملها اقتصادات مستقرة، ناهيك عن اقتصاد يخوض عامه الرابع من الحرب.

تتراجع الصادرات بسبب ثلاثة عوامل بنيوية، لا ظرفية. أولها شلل البنية التحتية؛ فميناء بورتسودان يعمل بنصف طاقته، والسكك الحديدية متوقفة بالكامل، ومحاور النقل الرئيسية في الخرطوم وكردفان ودارفور مقطوعة. وحتى مع توفر السلعة، لا يوجد طريق آمن للتصدير.

ويأتي انهيار الإنتاج وتحويله إلى وقود للحرب عاملاً ثانياً. ووفقاً لتحليل خاص ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أغسطس 2026، فإن «ثلاث سنوات من الحرب عطّلت بشدة الإنتاج الزراعي وأدت إلى تجزؤ الأسواق السودانية». ويعمل مشروع الجزيرة بـ30% من طاقته، فيما أصبحت مناطق إنتاج الذهب والصمغ العربي الحيوية، بحسب تقارير أممية، خارج السيطرة الحكومية، وتُعاد توجيه عائداتها لتمويل العمليات العسكرية.

نظرياً، كان من المفترض أن يجعل انهيار الجنيه من 600 جنيه قبل الحرب إلى 9200 جنيه في السوق الموازية في سبتمبر 2026 الصادرات السودانية أرخص عالمياً. لكن التضخم في تكاليف النقل والوقود والجبايات المتعددة على الطرق التهم عملياً أي ميزة سعرية.

وتظهر مفارقة ارتفاع الواردات في بلد أفقرته وأنهكت اقتصاده الحروب المتتالية؛ إذ لم يعد السودان يستورد الرفاهية، بل يستورد مقومات البقاء نفسها.

وتتصدر أزمة الغذاء المشهد، بعد أن تضاعفت أسعار الذرة المحلية مرات عدة منذ يناير وحتى أكتوبر الجاري. وبحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، أصبح السودان مجبراً على استيراد القمح والزيوت بأسعار مرتفعة بالدولار.

وتفاقمت أزمة الوقود مع خروج مصفاة الجيلي من الخدمة وتوقف الكهرباء، فأصبحت البلاد تُدار بمولدات الديزل، ما يضاعف فاتورة استيراد الوقود.

أما الدواء والإغاثة، فيشكّل استيرادهما جزءاً كبيراً من الواردات المسجلة، إذ تضم هذه الواردات، في حقيقتها، مساعدات إنسانية وشحنات أدوية.

وبالنظر إلى أوضاع الجنيه والاستيراد والتضخم، فإن ما يحدث الآن يمثل نموذجاً كلاسيكياً لما يُسمّى في أدبيات اقتصاد الحرب «مثلث الموت». فسقوط الجنيه يرفع تكلفة الاستيراد، فترتفع أسعار السوق، وينهار دخل المواطن الذي تراجع، بحسب تقديرات دولية، إلى مستويات عام 1992. ويدفع ذلك الحكومة إلى زيادة الضرائب والرسوم عبر «التوسعات الضريبية» التي أقرتها في أغسطس، فيتراجع النشاط الاقتصادي أكثر، ويسقط الجنيه من جديد.

وجاء قرار بنك السودان المركزي، الوارد في «المنشور رقم 16 لسنة 2026»، بتحرير سعر الصرف دون سقف، بمثابة ضربة قاصمة؛ إذ سارعت هذه الخطوة بفقدان الجنيه نصف قيمته وأكثر خلال وقت وجيز.

والسؤال الجوهري: ما العمل في ظل الانهيار وتداعياته المتتالية؟

لا يمكن معالجة ميزان الصادرات والواردات بإجراءات نقدية معزولة. فالسودان يحتاج حالياً إلى حل لوجستي قبل أن يكون مالياً؛ إذ لا بد من تأمين ممرات آمنة ومحايدة لصادرات الذهب والماشية والسمسم والصمغ العربي إلى بورتسودان، مع توحيد منظومة الرسوم الجمركية والجبايات على الطرق ووقف تعددها.

ومن الضروري تخصيص عائدات الصادرات السيادية لتمويل استيراد الوقود والدواء والقمح، لا لتمويل الحرب.

وبدون ذلك، ستظل المعادلة قائمة: السودان يصدّر موارده ليستورد أزمته، ويدفع المواطن الثمن تضخماً وجوعاً.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.