د. منال مختار
كان لإخوان الصفا رسالة في الموسيقى، بحثوا فيها كيفية إدراك القوة السامعة للأصوات، وامتزاجها وتنافرها. ولا شك أن الألحان والأنغام هي التي جعلت من الشعر المنظوم أغنيةً تُقام لها المهرجانات.
ومن الأغنيات ما يحرك النفوس، ويثير الأحقاد، ويلهب نيران الغضب، ومنها ما يسكن النفوس، ويبدد الأحقاد، ويطفئ لهيب الغضب، ومنها ما يدعو إلى الإخاء والمحبة والتعاضد.
وفي الألحان ما يشاكل الأمزجة والطباع، على اختلافها واختلاف الناس والأمم؛ ولذلك أصبح لكل أمة أو جماعة من الناس ألحان ونغمات وأغانٍ خاصة بها.
ونحن في السودان نحتاج إلى سنوات ممتدة، وحروف غير محدودة، ومدى أوسع، لوصف أغانينا نظمًا ولحنًا ونغمًا؛ لأن الله تعالى قد أنعم علينا وعلى أرض السودان بأفذاذ في الأدب والشعر والموسيقى والفنون، ما يجعلنا نتهيب الحديث عنهم وعن أساليب استجابتهم الوجدانية التي أوجدت قوة خفية كامنة في أغنياتهم، تسري في وجداننا وتحركه.
وعلى هامش مهرجان الأغنية العربية في تونس الخضراء، حيث يقف الإبداع شامخًا مفتخرًا، تقف أغنيات السودان بين الأغنيات العربية، طاقةً قومية جبارة تؤكد الذات وتعكس الحضارة.
وإذا حاولت في هذا المقال أن أعدد مظاهر التنوع الغنائي في وطني على مر العصور، لاحتجت إلى سنوات ضوئية عدة. ولكن، بحقكم، ماذا عن «ضنين الوعد» التي تغنى بها الأسطورة كابلي؟ وماذا عن ذلك الضنين الذي أهداه صديق مدثر كل حبه ووجده، من فؤاد يبعث الحب نديًّا؟
ماذا عن ذلك الحب الذي كلما أخفاه المحبوب في القلب، نبأت به عيناه ولم يخفَ عليه؟ وماذا عن الأعماق التي ترسل الألحان شلالًا رويًّا؟ وماذا عن الليل الذي تُبث فيه أسرار الهوى، ليصوغها الصبح ذوبًا بابليًّا؟ وماذا عن لقاء كان بالأمس عابرًا، بل ربما كان وهمًا أو رمزًا عبقريًّا؟ وماذا عن ارتعاش اليدين، وبعض الأحلام التي يناجيها مليًّا، وعن تلك الومضة التي عاش على إشراقها، ثم انقضت عجلًا ولم تُصغِ إليه؟
وماذا عن الكلمة التي خبأها في خافقيه، وترفق بها برًّا حفيًّا، حتى تغذت من دمائه، وغدت ذات جرس يأسر الأذن شجيًّا؟ وماذا عن الفراق، والأماني التي غالها الدمع فلم يبصر شيئًا؟ وماذا عن شاعرية صديق مدثر وعبقرية كابلي، التي استنطقت الصخر العصِيّ؟ وماذا عن ذلك الخيال والوجدان اللذين أدركا بالناي الآفاق القصية؟
ثم ماذا عن ذلك المسلوب فؤاده، طه حمدتو، وهو في جحيم الشوق إلى المحبوب، يستنجد بالكاشف ليكشف له سر الهوى؟ وماذا عن قصة حسين بازرعة، واندياح عثمان حسين، واستحلافهما المحبوبة بالمعزة والمودة وأغلى الصلات، وبالهوى الذي عاشاه خمسة أعوام ثم مات؟
ويعود ليسأل قلبه الحيران: لمتين يلازمك في هواك مر الشجن، ويطول بأيامك السهر، ويطول العذاب؟
وفي لحظة شوق يتجلى صدق حبه؛ فيرى، رغم الصدود، أنها «تستاهل… تستاهل العرش البشيل حسنها»، وأن يطوف بها كل العصور عبر الزمان، لتمرح وترى غيرة ليلى منها، وترد بلقيس من وردها. وينظم فيها جميلٌ كثيرًا من أبيات الشعر المرهف، وتمر بعهد الرشيد، ويغني لها الموصلي.
كم هي رائعة أغنياتنا السودانية وهي تتراشق في سُلَّمها الخماسي! وكم هي ودودة حين يوشوشها العبير فتنتشي، وينتشي معها الكون بأكمله! ولعمري، إنها تهذب النفوس، وترهف الحس، وترقق المشاعر، وتجلو العواطف؛ بل هي دواء للآلام والمحن.
التحية والتقدير والاحترام والتجلة لكل شاعر وأديب وموسيقي وفنان ومطرب سوداني عطّر دنيانا، وأشجى نفوسنا بكلمة رصينة لم يخدش بها حياءً، وبأنغام سرت في الوجدان، واخضرّ بها النضار.
ودمتم سالمين 🌼

Leave a Reply