نادر السماني
تتجاوز رواية «الجدران القاسية» للأديبة ملكة الفاضل حدود السرد التخييلي الذاتي، لتتحول إلى وثيقة سوسيولوجية واسترجاع تاريخي يوثّق حقبة التسعينيات في السودان. ولا تتعامل الكاتبة مع فضاء المعتقل السري بوصفه بقعةً معزولةً عن العالم الخارجي، بل تقدّمه مجهرًا اجتماعيًا وسياسيًا تنعكس على جدرانه آليات القمع الشمولي، وتكشف من خلاله تفكيك البنية المجتمعية وتآكل الحيز العام الصحي تحت وطأة أيديولوجيا القمع والاستبداد.
1. هندسة الفضاء القمعي: جغرافيا «بيوت الأشباح» ومحو المجال العام
عزل الضحية جغرافيًا ونفسيًا:
تبدأ الممارسة القمعية من لحظة الاختطاف ونقل المعتقل في سيارات مظللة دون لوحات إلى أماكن مجهولة الاسم؛ فالهدف السوسيولوجي للسلطة الشمولية هو انتزاع الفرد من شبكة أمانه الاجتماعي ومحو وجوده القانوني، ليغدو خارج أي إطار مدني أو حقوقي.
وتتجلى عمارة القهر في الزنزانة الانفرادية الضيقة رقم (6)، والجدران الإسمنتية العالية، والممرات المعتمة. وهي هندسة مكانية مدروسة لا تكتفي باحتجاز الجسد، وإنما تهدف إلى زرع العجز في النفس وتطويع الفرد لعالم لا يحكمه سوى قانون الطوارئ والبطش.
تأميم الفضاء الخاص:
يمتد تغوّل الدولة الأمنية من مصادرة الشارع إلى استباحة الملاذات الشخصية؛ إذ يُقتحم بيت صلاح ومكتبه، وتُصادر دفاتره وأوراقه ومقالاته الفكرية، وتُجرَّم حتى عواطفه الخاصة المرتبطة بـ«زينب». وتلخّص الرواية هذا السلوك الشمولي بعبارة المحقق الصادمة: «هنا لا توجد خصوصيات.. فكل ما يخصك هو ملك لنا نحن»؛ في إعلان صريح عن رغبة النظام في السيطرة على الفضاءين العام والخاص معًا.
2. تفكيك النسيج الاجتماعي وتجريف الطبقة الوسطى
استهداف الوعي المدني المستقل:
يمثل اختيار شخصية صلاح محمد أحمد، المحامي المثقف المستقل وابن صاحب «مكتبة الأجيال» بأم درمان، تجسيدًا لاستهداف النظام منظومة الوعي المدني والطبقة الوسطى الوطنية؛ وهي الفئة التي تشكّل تقليديًا صمام أمان للدفاع عن الحريات واستقلال القضاء والنقابات ومنظمات المجتمع المدني.
وتجسّد الرواية تفكيك هذا النسيج من خلال قمع الطلاب وأساتذة الجامعات والأطباء والمهنيين، وتحويل مؤسسات العدالة إلى هياكل صورية تخدم ترسيخ سلطة الحزب الواحد.
التهجير القسري واستنزاف العقول:
ترصد الرواية بمرارة مناخ الإرهاب الذي دفع خيرة الكفاءات الوطنية إما إلى أقبية السجون أو إلى قوارب الهجرة والمنافي القسرية طلبًا للأمان؛ ما أفرغ الفضاء العام من حراسه الحقيقيين، ومهّد الطريق لترييف الحياة الحضرية وتكريس الجهل والولاءات القبلية الزائفة.
3. تحالف الأيديولوجيا مع أجهزة القمع: تزييف الخطاب الأخلاقي
توظيف المقدس لتبرير السحق:
تكشف الرواية عن آلية خطيرة في سوسيولوجيا الاستبداد الشمولي، تتمثل في تغليف العنف الجسدي بغطاء القداسة المدعاة والشعارات الدينية والوطنية. فالجلاد لا يرى في صلاح مجرد خصم سياسي، بل يصنّفه «مارقًا» يهدد بنيان الدولة ومشروعها الحضاري.
ويبرز هذا التوظيف في محاولات الرائد الطيب وغيره تبرير الانتهاكات بذريعة «دواعي الأمن والاحتياط.. أمن الوطن.. أمن البلاد»، في محاولة لتطهير الجريمة وإسباغ غطاء أخلاقي على ممارسات التعذيب الوحشية بحق مواطنين عُزّل.
تخريب المعايير القيمية للمجتمع:
تفضح الرواية التناقض الصارخ بين الخطاب الديني المعلن وسلوك الزبانية داخل الأقبية؛ إذ يُكافأ أصحاب النزعات السادية ومسلوبو الضمير، مثل تمساح والمحقق الضئيل، بينما يُهان أصحاب المبادئ والقيم الرفيعة. ويؤدي هذا الانقلاب، على المدى البعيد، إلى انهيار المنظومة الأخلاقية للمجتمع بأسره، وشيوع التملق والانتهازية.
4. الذاكرة الجمعية في مواجهة النسيان: الرواية وثيقة إدانة
كسر صمت التاريخ الرسمي:
لا تقف «الجدران القاسية» عند حدود البكائية، بل تنهض أداةً لمقاومة النسيان واستعادة الذاكرة الوطنية من براثن الرواية الرسمية الزائفة. إنها توثيق فني صارخ لما عُرف سودانيًا بـ«بيوت الأشباح»، وشهادة حية على التكلفة الإنسانية الباهظة التي دفعها جيل كامل من أجل الكرامة والحرية.
انتصار القيمة الإنسانية:
تختتم الرواية رؤيتها السوسيولوجية بالتأكيد على أن أنظمة القهر، مهما تغوّلت وشيدت من جدران قاسية، تحمل بذور فنائها في داخلها؛ لأن فسادها المطلق يصطدم حتمًا بتطلع الإنسان الأزلي إلى العدالة. ويبقى صوت الشهداء ودفاتر المعتقلين ودماء الجلابيب البيضاء الممزقة شاهدًا أبديًا يدين الجلاد، ويحفظ حقيقة تلك المرحلة في ضمير الأمة الحي.
بهذه المقاربة السوسيولوجية، تكتمل أضلاع قراءتي، إلى حين، لرواية «الجدران القاسية» للأديبة ملكة الفاضل، عبر المحطات الأربع التي تنقلت بين:
- عتبات التلقي واختبار شجاعة الكتابة في مقاربة الفضاء المسكوت عنه.
- شعرية الجسد المنتهك وسيميائية التناص الثقافي بين الفلسفة والرمز.
- الميكانيزمات النفسية المعقدة في صراع الذوات بين تبلّد الجلاد وتسامي الضحية.
- التفكيك السوسيولوجي والتاريخي لآلة الاستبداد وتجريف الحيز العام.
وتثبت هذه السلسلة النقدية أن النص الروائي الحقيقي لا يكتفي بإعادة إنتاج الواقع أو البكاء على أطلال المأساة، وإنما ينشئ وعيًا جديدًا بها، متكئًا على حس نفسي رفيع ولغة سردية تروّض العنف لصالح الجمال والمقاومة.
إن شهادة المبدعة ملكة الفاضل النبيلة وتفاعلها الصادق مع هذه القراءات يؤكدان أن النقد، حين يغادر أبراج المجاملات أو التجريد الجاف، وينفذ إلى عصب العمل ومجاهله الخفية، يتحول إلى شريك حقيقي في ولادة النص من جديد في وعي القراء والقارئات.
وتبقى «الجدران القاسية» وثيقة أدبية وإنسانية حية، تشهد على أن ذاكرة الكلمة تظل أصلب وأبقى من كل جدران القهر والنسيان.

Leave a Reply