في زمنٍ تتكسر فيه المرايا، وتتفتت فيه الصور، وتتوه فيه البوصلة، يبقى سؤال واحد يفرض نفسه على كل من يحمل همّ الأمة العربية: ما الذي يجمعنا؟ ليس السؤال عن الحدود، ولا عن الحكومات، ولا عن المصالح، بل عن الذاكرة، وعن اللغة، وعن الحلم المشترك، وعن ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين نهر في بغداد، وجبل في المغرب، وساحل في عدن، ووادٍ في السودان. هذا الخيط هو الثقافة القومية.
الثقافة القومية ليست فلكلورًا يُرقص في المهرجانات، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، ولا أرشيفًا يُخزّن في المتاحف. إنها روح الأمة العربية ووعيها الجامع، وقدرتها على أن ترى نفسها واحدة، رغم كل ما يفرقها. وهي المجال الثقافي الذي تتفاعل فيه اللغة والتاريخ والأدب والفكر والفنون والذاكرة والقيم، فتتشكل منها صورة مشتركة للأمة عن ذاتها وتاريخها ومستقبلها.
الثقافة القومية هي الإطار الأوسع الذي يضم الثقافات الوطنية في سيرورة وحدة عضوية؛ لا وحدة تماثل، ولا وحدة إلغاء، بل وحدة تنوع مُثرٍ. وحدة لا تلغي الخصوصيات، بل تحررها من العزلة، ولا تلغي المحليات، بل ترفعها إلى مستوى القومية الإنسانية والقوميات المتآخية.
والمقصود بالوحدة العضوية هنا ليس ذوبان الثقافات المتنوعة في إطار الوطنية في قالب واحد، وإنما تفاعلها داخل فضاء ثقافي أوسع، بحيث يثري كل منها الآخر ويتكامل معه، دون أن يفقد خصوصيته.
والثقافة القومية لا تكتفي بالوصف، بل تبني المشروع. فهي تؤكد وحدة التاريخ والمصير؛ فالأمة ليست مجرد مجموع أقطار متجاورة، بل سيرورة تشكل حضاري وتاريخي وثقافي مشترك، تتعدد داخلها الذاكرات الوطنية والمحلية، وتتفاعل في ذاكرة قومية أوسع ومصير مشترك.
وتعيد الاعتبار للغة العربية، لا بوصفها لغة تواصل فقط، بل باعتبارها حاملًا حضاريًا، ومستودعًا معرفيًا، ورابطًا روحيًا بين ماضي الأمة ومستقبلها. فاللغة التي حملت تراث الأمة وعلومها وآدابها، وأُنزل بها خاتم الرسالات السماوية، قادرة أيضًا على أن تكون جسرًا بين أجيالها ومجتمعاتها وتكويناتها.
وترفض القطرية الضيقة، تلك التي تغلق الأفق، وتصغّر الهوية، وتحول الوطن إلى جزيرة، والأمة إلى أرخبيل من جزر متنافرة.
وتناهض التغريب والاستلاب الثقافي، لا انغلاقًا على الآخر، بل رفضًا للذوبان فيه. فالأمة التي تستورد ثقافتها تستورد تبعيتها، والأمة التي تفقد هويتها الثقافية تفقد ذاكرتها.
إنها ثقافة ترى في الأمة العربية وحدة حضارية وتاريخية، لا وحدة سياسية فحسب، وتعتبر أن أي نهضة قطرية منفصلة عن بعدها القومي محكومة بالعجز والتشوه والفشل. فالنهضة ليست مشروع قطر، بل مشروع أمة. والنهضة الوطنية تكتسب عمقها واستدامتها حين تتصل بأفقها القومي، وتتحول من إنجاز قطري محدود إلى طاقة تتفاعل مع إمكانات الأمة الأوسع.
وفي جوهرها، الثقافة القومية ليست حديثًا عن الأمة بوصفها فكرة مجردة، وإنما عن الإنسان الذي يحمل هذه الفكرة ويعيد إنتاجها في حياته اليومية. فهي تفتح أمامه مجالًا للمعرفة والإبداع والنقد والحوار، وتجعله شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لأمجاد الماضي.
وملف الهدف الثقافي مساحة لبناء الوعي القومي، واستعادة الصلة بين الثقافة والإنسان والأمة والمستقبل.
فيا أيها القارئ، هذه صحيفتك. وهذه ذاكرتك. وهذا فضاؤك للحوار والمعرفة والإبداع. فلا تترك ذاكرتك تتجمد، ولا تترك ثقافتك تتحول إلى ماضٍ محفوظ؛ اجعلها وعيًا حيًا وفكرًا منتجًا، يحرك الماضي ليصنع الحاضر، ويشرئب إلى المستقبل، الذي هو دومًا إلى الأمام.

Leave a Reply