ست النفر عوض عمر
ظل النفط العربي طوال عقود أحد أهم مصادر الثروة والدخل والطاقة في عدد من الاقتصادات العربية. لكنه لم يكن متساوي الأثر في جميع الدول؛ فالنفط يمكن أن يكون موردًا لبناء البنية التحتية والتعليم والصناعة وتنمية رأس المال البشري، كما يمكن أن يتحول إلى مصدر لاعتماد اقتصادي شديد الحساسية لتقلبات الأسعار والطلب العالمي. ومن هنا، لا تكمن المشكلة في النفط ذاته، بل في النموذج الاقتصادي الذي يبنيه المجتمع حوله. وتبدأ المشكلة عندما يتحول النفط من مورد لتمويل التحول الاقتصادي إلى أساس دائم للاعتماد الاقتصادي.
وفي عام 2026، يتمثل السؤال العلمي الجاد في كيفية تغير موقع النفط في الاقتصاد والطاقة خلال العقود المقبلة. فبعض السيناريوهات الدولية تتوقع بلوغ الطلب العالمي ذروة أو دخوله في حالة استقرار قرب نهاية العقد، بينما تتوقع سيناريوهات أخرى استمرار نموه لعقود أطول. لكن الاتجاه الذي يكاد لا يختلف عليه اثنان هو أن التحول في التكنولوجيا والطاقة يفرض على الدول النفطية تقليل اعتمادها على مورد واحد، وبناء مصادر جديدة للدخل والإنتاج.
أولًا: الاقتصاد الريعي.. بنية الهشاشة
الاقتصاد الريعي ليس مجرد اقتصاد نفطي، بل هو نموذج تنموي له خصائص بنيوية:
1. الإيرادات الريعية وإضعاف المساءلة:
تمنح الإيرادات الريعية الدولة موردًا ماليًا لا يعتمد بالدرجة نفسها على الضرائب الداخلية، وقد يؤدي ذلك، في بعض الحالات، إلى إضعاف العلاقة المالية المباشرة بين المواطن والدولة وتقليل الضغوط باتجاه المساءلة. لكن هذا ليس قانونًا حتميًا، فالأثر السياسي للريع يتوقف أيضًا على طبيعة المؤسسات، وطريقة توزيع الإيرادات، ومستوى الشفافية، وبنية الدولة والمجتمع.
2. القطاع الخاص التابع:
في بعض الاقتصادات الريعية، قد ينشأ قطاع خاص يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي أو على الامتيازات والحماية، فتكون حوافز التنافس والإنتاج أقل من المطلوب. لكن هذا النمط ليس واحدًا في جميع الدول النفطية، فقد شهدت بعض الاقتصادات العربية نموًا واضحًا في قطاعات خاصة غير نفطية، وإن بقيت درجة الاعتماد على الدولة والهيدروكربونات متفاوتة.
3. العمالة الوافدة:
في عدد من الاقتصادات النفطية، نشأ سوق عمل يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة، بالتزامن مع اتساع التوظيف الحكومي للمواطنين. وقد أدى هذا النموذج إلى تحديات تتعلق بتوطين الوظائف، ورفع إنتاجية القطاع الخاص، ومواءمة التعليم والمهارات مع احتياجات الاقتصاد الجديد.
4. الهشاشة الخارجية:
الاقتصاد الريعي رهين بأسعار النفط العالمية، ومرتهن للطلب الدولي، ومتأثر بالتحولات التكنولوجية. ولهذا، تبقى الاقتصادات شديدة الاعتماد على النفط أكثر تعرضًا لتقلبات أسعار الطاقة والطلب العالمي، وقد تنعكس هذه التقلبات على الإيرادات العامة والإنفاق والاستثمار والنمو، بدرجات تختلف بحسب حجم الاحتياطيات المالية وسياسات الدولة وقدرتها على تنويع مصادر الدخل.
ثانيًا: التحول الأخضر
لم يعد التحول في منظومة الطاقة مجرد احتمال بعيد؛ فقد أصبحت الطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة، والسيارات الكهربائية، والاستثمارات في تقنيات خفض الانبعاثات، عوامل مؤثرة في شكل الطلب العالمي على الطاقة. لكن ذلك لا يعني نهاية النفط في المدى المنظور، بل يعني أن المنتجين يواجهون سوقًا أكثر تغيرًا وتنوعًا وحساسية للسياسات والتكنولوجيا.
وتشير تقارير صندوق النقد العربي إلى أن الأقطار العربية المصدرة للنفط ما تزال بحاجة إلى تسريع التنويع في مصادر الدخل والصادرات، وربط السياسات الصناعية بالتطورات التكنولوجية وتعزيز دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وفي المقابل، فإن تجربة عدد من الأقطار العربية، ولا سيما في الخليج، تُظهر أن التنويع الاقتصادي ليس فكرة نظرية فقط، بل مسار بدأ بالفعل، وإن كانت نتائجه متفاوتة بين دولة وأخرى.
والأخطر من ذلك أن النفط ثروة ناضبة؛ فكل برميل يُستخرج اليوم هو برميل لن يكون غدًا. والسؤال: ماذا بعد النفط؟
وكذلك، فإن سعر النفط العالمي لا تصنعه جهة واحدة، بل يتحدد من خلال تفاعل العرض والطلب، وسياسات الإنتاج، والمخزونات، والتوقعات، والظروف الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. ولذلك، فإن تغير الطلب يمثل عاملًا مركزيًا، لكنه ليس العامل الوحيد.
ثالثًا: الرؤية البعثية.. من الريع إلى الإنتاج
في الفكر البعثي، الاشتراكية ليست مجرد نظام للملكية، بل هي نظام للإنتاج. وقد نص دستور الحزب عام 1947 على أن «الاشتراكية ضرورة منبعثة من صميم القومية العربية، لأنها النظام الأمثل الذي يسمح للشعب العربي بتحقيق إمكاناته وتفتح عبقريته على أكمل وجه».
ومن هنا يمكن قراءة الاشتراكية في الفكر البعثي من زاوية تتجاوز سؤال الملكية إلى سؤال الإنتاج والقدرة على إطلاق طاقات المجتمع. فالنص الدستوري التأسيسي يربط الاشتراكية بتحقيق إمكانات الشعب العربي وبالنمو المطرد في الإنتاج المادي والمعنوي، ولذلك فإن قيمة هذا التصور اليوم لا تكمن في استدعاء شكل اقتصادي جامد، بل في إعادة طرح سؤال: كيف تتحول موارد الأمة إلى قدرة إنتاجية وبشرية ومعرفية مستدامة؟
وهذا يعني أن الخروج من الاقتصاد الريعي ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو شرط لتحقيق القومية نفسها. فالقومية بلا إنتاج تصبح شعارًا، والاشتراكية بلا تنمية تصبح فقرًا مشتركًا.
وتقوم الرؤية البعثية على أربعة أسس:
1. الدولة القائدة، لا الدولة المتفرجة:
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تُقرأ الدولة في الرؤية البعثية بوصفها دولة تنموية فاعلة، لا مجرد مراقب للسوق؛ دولة تخطط للقطاعات الاستراتيجية، وتوجه الاستثمار، وتحمي المصلحة العامة، وتفسح في الوقت نفسه مجالًا للعمل الخاص والتعاوني ضمن رؤية اقتصادية تستهدف رفع الإنتاجية وتوسيع قاعدة الإنتاج.
2. التنويع الاقتصادي، لا الاعتماد الأحادي:
لا يمكن بناء اقتصاد سليم على سلعة واحدة. فالزراعة والصناعة والتكنولوجيا والسياحة والخدمات المالية، كلها قطاعات يجب تطويرها. والتحول الأخضر ليس تهديدًا، بل فرصة لتوليد وظائف جديدة وبناء صناعات جديدة.
3. الاستثمار في الإنسان، لا في الحجر:
الاستثمار في التعليم والصحة والبحث العلمي والتدريب المهني؛ فالإنسان هو أداة التنمية وغايتها. والدولة التي لا تستثمر في عقلها، لن تستثمر في مستقبلها.
4. التكامل العربي، لا التنافس القطري:
لا يمكن لأي قطر عربي، مهما كانت موارده، أن يبني اقتصادًا معرفيًا بمفرده. ويكتسب التكامل الاقتصادي العربي أهمية خاصة؛ فالسوق العربية الأوسع يمكن أن توفر مجالًا أكبر للاستثمار والإنتاج والتجارة وسلاسل القيمة ونقل المعرفة، بما يخفف من ضيق الأسواق الوطنية ويزيد القدرة على المنافسة الدولية.
ويعني ذلك أن التكامل الاقتصادي لا ينفصل عن فكرة الوحدة العربية؛ لأن الوحدة ليست مشروعًا سياسيًا فقط، وإنما يمكن أن تُقرأ أيضًا باعتبارها توسيعًا للقدرة الإنتاجية والسوق والموارد البشرية والعلمية للأمة.
رابعًا: ما بعد النفط لا يعني ما بعد النفطية
الانتقال إلى اقتصاد ما بعد النفط لا يعني بالضرورة أن النفط سيختفي من العالم، ولا أن الدول المنتجة ستتوقف عن إنتاجه بين ليلة وضحاها. والمقصود هو أن يتغير موقع النفط في الاقتصاد: من المصدر الذي تقوم عليه المالية العامة والنمو والقدرة على الإنفاق، إلى مورد من موارد اقتصاد أكثر تنوعًا.
وهنا يكمن الفرق بين اقتصاد يخشى انخفاض سعر النفط واقتصاد يستطيع تحمل انخفاضه؛ وبين دولة يتوقف إنفاقها عندما تتراجع الإيرادات النفطية، ودولة تستطيع مواصلة الاستثمار والإنتاج اعتمادًا على قاعدة اقتصادية أوسع. فالمسألة ليست التخلص من النفط، وإنما التخلص من الاعتماد الأحادي عليه.
خامسًا: من اقتصاد النفط إلى اقتصاد متعدد الموارد
السؤال الأعمق هو: هل نبقى نعتمد على النفط حتى ينضب، أم نبدأ الآن في بناء اقتصاد ما بعد النفط؟ المسألة ليست إرادة وحدها ولا أرقامًا وحدها؛ إنها قدرة على تحويل الثروة الحالية إلى استثمار دائم في الإنسان والإنتاج والمعرفة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
فالنفط لا يصبح عبئًا لأنه موجود، وإنما عندما تتحول عوائده من وسيلة لبناء المستقبل إلى غاية تحافظ على نمط اقتصادي قائم على الاستهلاك والاعتماد. والنفط الذي يُستخدم لبناء الإنسان هو نعمة، أما النفط الذي يُستخدم لإبقاء الإنسان في حالة تبعية، فهو لعنة.
ومن هنا، لا يبدو سؤال النفط في الوطن العربي سؤالًا عن سلعة بقدر ما هو سؤال عن نوع الاقتصاد الذي نريد بناءه. هل تبقى الثروة الطبيعية مصدرًا لتمويل الاستهلاك والاعتماد، أم تتحول إلى رأسمال يبني الإنتاج والمعرفة والإنسان؟
وفي هذا المستوى تحديدًا يمكن أن تستعيد القراءة البعثية معناها الاقتصادي؛ فالاشتراكية، كما عبّر عنها دستور الحزب التأسيسي، مرتبطة بإطلاق إمكانات الشعب العربي وبنمو إنتاجه المادي والمعنوي. ومن ثم، فإن التحدي المعاصر ليس الدفاع عن النفط ولا انتظار نهايته، وإنما تحويل موارده إلى قدرة إنتاجية تتجاوز النفط نفسه.
أما التحول الطاقي، فلا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه تهديدًا للصادرات النفطية، بل باعتباره اختبارًا لقدرة الاقتصادات العربية على الانتقال من اقتصاد المورد الواحد إلى اقتصاد المعرفة والصناعة والزراعة والخدمات والتكنولوجيا والطاقة الجديدة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا سنفعل بثروة النفط قبل أن يتغير موقعها في الاقتصاد العالمي؟ فالنفط يمكن أن يمول المستقبل، لكنه لا يستطيع أن يكون المستقبل نفسه.

Leave a Reply