قراءة في التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026
طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
تبدو المديونية في ظاهرها مسألة مالية: أرقام للقروض، وفوائد، وأقساط، ومواعيد للسداد. لكن خلف هذه الأرقام سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الاقتصاد العربي، وقدرته على الإنتاج والتنمية، واتخاذ قراره الاقتصادي باستقلال. وفي التقرير الاقتصادي والاجتماعي الذي أقره المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 2026، تبرز المديونية الخارجية باعتبارها واحدة من المشكلات التي تكشف عن اختلالات أوسع في الاقتصاد العربي.
فقد ارتفع إجمالي رصيد الدين الخارجي للدول العربية التي تتوفر عنها بيانات إلى نحو 634.3 مليار دولار بنهاية عام 2023، بما يعادل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، كما ارتفعت تكلفة خدمة الدين من 39.4 مليار دولار في 2022 إلى 47.4 مليار دولار في 2023. وارتفعت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات السلعية والخدمية إلى 14.6%، مقابل 11.6% في العام السابق.
لكن الرقم وحده لا يكفي لفهم المشكلة. فالسؤال الأهم هو: هل استُخدم الدين لزيادة الإنتاج وبناء القدرة الاقتصادية، أم أصبح وسيلة لمعالجة العجز وتمويل الاحتياجات الآنية؟ ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الدين الذي يساعد على التنمية، والمديونية التي تزيد اعتماد الاقتصاد على الاقتراض.
هذه القراءة لا تنظر إلى الدين باعتباره شرًا في ذاته، وإنما تبحث في اللحظة التي يتحول فيها من أداة للتمويل إلى قيد على التنمية، ومن وسيلة لبناء القدرة الاقتصادية إلى عامل يزيد التبعية والضغط على القرار الاقتصادي.
أولًا: كيف تحول الدين من تنمية إلى سيطرة؟
الدين في أصله ليس شرًا مطلقًا. فالأقطار التي تريد أن تبني بنيتها التحتية، أو تطور صناعتها، أو تستثمر في التعليم والصحة، قد تحتاج إلى تمويل خارجي. لكن الدين يصبح مشكلة عندما يتحول من وسيلة إلى غاية، ومن تمويل للإنتاج إلى تمويل للاستهلاك، ومن أداة للتحرر إلى أداة للتبعية.
هذا التحول لم يحدث صدفة. لقد ترافق مع برامج الإصلاح الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي على عدد من الأقطار العربية في العقود الأخيرة. وهذه البرامج، التي جاءت تحت شعارات «التحرير» و«الخصخصة» و«ضبط الإنفاق»، أدت، في الواقع، إلى:
- تفكيك القطاع العام الذي كان يشكل ركيزة للتنمية في الستينيات والسبعينيات.
- فتح الأسواق أمام السلع والاستثمارات الأجنبية دون حماية للصناعات الوطنية.
- تقليص الإنفاق الاجتماعي على التعليم والصحة والدعم، مما زاد الفقر والبطالة.
- زيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي لسد العجز المتنامي.
وهكذا، وجدت الأقطار العربية نفسها تدور في حلقة مفرغة: تقترض لسد العجز، ثم تُفرض عليها شروط تقلص قدرتها على الإنتاج، فتزداد حاجتها إلى الاقتراض، فتزداد مديونيتها، فتزداد تبعيتها.
وتعاني الأقطار العربية من فجوة في الموارد المحلية، بمعنى أن الادخار المحلي لا يغطي دائمًا احتياجات الاستثمار. ويشير التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026 إلى تفاوت كبير بين الأقطار في معدلات الاستثمار والادخار؛ فقد تراوحت معدلات الاستثمار بين 46.8% في قطر و50.6% في ليبيا، بينما تراوحت معدلات الادخار بين 14.9% في قطر ونحو -49.1% في ليبيا. ويعكس هذا التفاوت اختلافًا كبيرًا في قدرة الاقتصادات العربية على تمويل احتياجاتها الاستثمارية من مواردها المحلية.
ثانيًا: الفرق بين الدين المنتج والمديونية المرضية
ليس كل دين سيئًا. هناك دين منتج يُستخدم لتمويل مشاريع تحقق عوائد تتجاوز تكلفة الدين، فيصبح أداة للتنمية. وهناك دين استهلاكي يُستخدم لتمويل نفقات جارية أو مشاريع غير مربحة، فيصبح عبئًا على الاقتصاد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم نستدين؟ بل: ماذا نفعل بالدين عندما نحصل عليه؟ وهل يزيد قدرتنا على الإنتاج أم يزيد حاجتنا إلى الاقتراض؟
الفرق بين الاثنين ليس في حجم الدين فقط، بل في طبيعة استخدامه. فالدين الذي يُستخدم لبناء مصنع، أو مدرسة، أو مستشفى، أو بنية تحتية، هو دين يمكن أن يخلق القدرة على السداد. والمشكلة ليست في الاقتراض بذاته، وإنما في الطريقة التي يُستخدم بها، وفي شروطه، وفي قدرة الاقتصاد على إنتاج ما يكفي لسداده.
فالدين الذي يزيد الإنتاج والقدرة على النمو يمكن أن يكون أداة للتنمية، أما الدين الذي يمول العجز المتكرر والاستهلاك دون بناء قدرة إنتاجية، فقد يتحول إلى عبء على المستقبل.
ويشير التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026 إلى أن الفجوة الغذائية العربية ارتفعت إلى حوالي 49.5 مليار دولار عام 2023، وأن نسب الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية الرئيسية انخفضت، مما يعني أن الأقطار العربية تستورد معظم غذائها.
وتكشف الفجوة الغذائية العربية عن مشكلة أعمق؛ فضعف الإنتاج المحلي يجعل عددًا من الأقطار أكثر اعتمادًا على الاستيراد، ويزيد حاجتها إلى العملات الأجنبية، وهو ما يمكن أن يزيد الضغوط على ميزان المدفوعات والقدرة على خدمة الدين.
والأخطر من ذلك أن خدمة الدين نفسها أصبحت بندًا رئيسيًا في الموازنات العربية، ينافس الإنفاق على التعليم والصحة والتنمية. ومع ارتفاع تكلفة خدمة الدين، تتزايد الضغوط على الموارد العامة والخارجية التي تحتاجها الأقطار لتمويل التعليم والصحة والبنية الأساسية والاستثمار.
وهكذا، تدخل الأقطار العربية في دائرة مفرغة: تقترض لسد العجز، ثم تدفع فوائد وأقساطًا تزيد العجز، فتقترض مرة أخرى، وهكذا دواليك، حتى تصبح أسيرة لدائنيها.
ثالثًا: المديونية كشكل من أشكال الاستعمار الجديد
في القرن التاسع عشر، كان الاستعمار يأتي عبر الجيوش والأساطيل. وفي القرن العشرين، جاء عبر الشركات المتعددة الجنسيات والاتفاقيات التجارية. وفي القرن الحادي والعشرين، يأتي الاستعمار عبر الديون، وعبر شروط صندوق النقد الدولي، وعبر برامج الإصلاح الهيكلي التي تُفرض على الأقطار مقابل الحصول على التمويل والدعم المالي.
هذا ما يسميه بعض الاقتصاديين «الاستعمار بالدين». فالأقطار التي تغرق في الديون تفقد شيئًا فشيئًا سيادتها على قرارها الاقتصادي، وتصبح مضطرة إلى:
- خصخصة مؤسساتها العامة.
- فتح أسواقها أمام الشركات الأجنبية.
- تقليص دور الدولة في الاقتصاد.
- الالتزام بسياسات نقدية ومالية تفرضها عليها المؤسسات الدولية.
ويذكر التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026 أن الاستثمارات العربية البينية لم تتجاوز 40 مليار دولار، بينما ناهزت الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة في الأقطار العربية التريليون دولار.
وهذا يعني أن العرب لا يستثمرون في بعضهم بالقدر الكافي، بل يتركون ثرواتهم تذهب إلى الخارج، أو يأتون بالمستثمر الأجنبي ليستولي على القطاعات الحيوية. وهنا تتحول المديونية إلى أداة لنقل الثروة من الأقطار العربية إلى الدائنين الأجانب.
والأخطر من ذلك أن الفساد يلعب دورًا مركزيًا في تفاقم المديونية. وتزداد مخاطر المديونية عندما تقترن بضعف الشفافية والرقابة والفساد، لأن سوء إدارة الموارد المقترضة قد يحول القرض من وسيلة لزيادة الإنتاج إلى عبء طويل الأجل على المجتمع والدولة، أو إلى تمويل حروب، أو إلى شراء ولاءات.
ويشير التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026 إلى أن الفساد المستشري سياسيًا وماليًا وإداريًا هو من الظواهر التي تنخر في الاقتصادات العربية.
وعندما يقترن الفساد بالمديونية، فإن النتيجة تكون كارثية. وفي مثل هذه الحالات، يتحمل المجتمع كلفة الدين، بينما تستفيد فئات محدودة من الموارد المقترضة، وقد يزداد نفوذ الجهات الدائنة على القرار الاقتصادي.
رابعًا: كيف نخرج من سجن المديونية؟
السؤال ليس: كيف نسدد الديون؟ بل: كيف نتفكك من نظام المديونية نفسه؟ لأن مجرد سداد الديون لا يحل المشكلة، بل قد يزيدها إذا استمرت السياسات نفسها التي أدت إليها. الحل ليس في إدارة الأزمة، بل في تغيير البنية التي تنتجها.
ويقترح التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026 مجموعة من الحلول التي يمكن أن تشكل خارطة طريق للخروج من سجن المديونية:
1. إعادة هيكلة الديون: ليس بمعنى تأجيل السداد فقط، بل بمعنى إعادة التفاوض على الشروط، وربط السداد بالقدرة الفعلية على الدفع، وإلغاء الفوائد المركبة، وتحويل بعض الديون إلى استثمارات.
2. تعظيم الإيرادات المحلية: من خلال مكافحة التهرب الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وإصلاح النظام الجبائي، واسترداد الأموال المنهوبة. فالأقطار العربية تمتلك ثروات هائلة، لكنها لا تُستثمر بشكل صحيح، ولا تُحصّل بشكل عادل.
3. تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي: من خلال تنمية الإنتاج المحلي، ودعم الصناعات الوطنية، وتحقيق الأمن الغذائي، وبناء اقتصاد إنتاجي لا يعتمد على الريع.
4. التكامل الاقتصادي العربي: فالسوق العربية المشتركة، والتجارة البينية، والاستثمارات المشتركة يمكن أن تخفف الضغط عن الأقطار المثقلة بالديون. ويذكر التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026 أن التجارة البينية العربية لا تمثل أكثر من 10% من إجمالي التجارة العربية، وهو رقم متدنٍ جدًا مقارنة بالتكتلات الاقتصادية الأخرى.
5. إعادة بناء المؤسسات: لأن الفساد وسوء الإدارة هما من أهم أسباب تفاقم المديونية. فلا يمكن حل مشكلة الديون دون محاسبة المسؤولين، وشفافية المالية العامة، وإصلاح الإدارة.
خامسًا: الأرقام لا تكذب، لكنها لا تقول كل الحقيقة
يقدم التقرير الاقتصادي والاجتماعي للمؤتمر القومي الثالث عشر 2026 أرقامًا مخيفة عن المديونية العربية. لكن هذه الأرقام، رغم دقتها، لا تقول كل الحقيقة. فهي لا تقول إن الشعب العربي هو الذي يدفع الثمن، من خلال تقليص الخدمات، ورفع الأسعار، وزيادة الضرائب، وتراجع الأجور.
وهي لا تقول إن الديون ليست مجرد مشكلة اقتصادية، بل هي أيضًا مشكلة سياسية وأخلاقية وحضارية.
الأرقام لا تقول إن الدين الذي يُفرض على شعب بلا إرادة هو دين غير شرعي، حتى لو كان قانونيًا. ولا تقول إن الدائنين ليسوا أبرياء؛ فهم يعرفون أنهم يمنحون قروضًا لأنظمة فاسدة، ويعرفون أن الأموال قد تُهدر أو تُسرق، لكنهم يمنحونها لأنها تضمن لهم نفوذًا وسيطرة.
الأرقام لا تقول إن الخروج من المديونية ليس مجرد عملية حسابية، بل هو معركة تحرر، مثل أي معركة ضد استعمار أو استغلال. إنها معركة تستدعي إرادة سياسية، ووعيًا شعبيًا، ووحدة عربية، وقيادة مؤمنة بأن السيادة لا تُشترى بالدولار.
خاتمة
المديونية العربية ليست قضاءً وقدرًا. إنها نتيجة سياسات اختيرت، وقرارات اتُّخذت، وأنظمة فسدت. والخروج منها ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى إرادة لا تخاف، ورؤية لا تنحني، وشعب لا يُهزم.
إن الأمة التي أنتجت أعظم الحضارات، والتي تمتلك من الثروات ما يجعلها في مقدمة العالم، لا يمكن أن تبقى سجينة لدائنين يتحكمون في مصيرها.
إن الدين الذي يُستخدم لتحرير الإنسان هو دين مشروع، أما الدين الذي يُستخدم لاستعباده، فهو دين يجب أن يُرفض.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام كل عربي حر: هل نبقى ندفع الفوائد، أم نصنع مستقبلًا لا يحتاج إلى استدانة؟
الجواب ليس في الأرقام، بل في الإرادة.

Leave a Reply