كلمة العدد: نزيف العقول.. الوجه الآخر للحرب في السودان

صحيفة الهدف

الحروب لا تقتل الجسد فقط، بل تقتل أول ما تقتل: العقل. وحين يُستهدف العقل، تُستهدف ذاكرة الأمة ومستقبلها معاً.

اليوم، ونحن نرصد حال السودان، لا نتحدث فقط عن بيوت مهدمة وشوارع خاوية، بل نتحدث عن كارثة أعمق: نزوح العقول. فالمبدع الذي كان يكتب في «بانت» و«أمبدة» و«حنتوب» و«أم توبة» و«الروصيرص»، صار لاجئاً يبحث عن الماء وشبكة الاتصال. والأستاذ الجامعي الذي كان يربي أجيالاً في قاعات الخرطوم، صار نازحاً يفكر في لقمة الغد. والطالب الذي كان يحلم بمختبر وبحث علمي، صار يحلم بالسلام ليواصل دراسته.

ما جرى خلال الحرب لم يكن مجرد توقف للجامعات والمراكز البحثية ودور النشر، بل كان اغتيالاً ممنهجاً للطبقة الوسطى الثقافية والعلمية. هاجر 90% من الباحثين وأساتذة الجامعات، وأُغلقت المكتبات، وتوقفت المطابع، أما دور النشر فحدث ولا حرج. وصار الفنان مهدداً في بيته، والشاعر مطارداً بقصيدته، والعالم بلا معمل. وكما وصف البروفيسور صديق تاور في إصداره «رأيت كل شيء»: بيوت تُستباح، وأسماء ترحل بصمت، ومدن تفقد ذاكرتها الحية.

إننا لا نبالغ حين نقول إن مستقبلاً بلا مبدعين وعلماء هو مستقبل «قاتم ومظلم»، فالأمم لا تُبنى بالخرسانة وحدها.

تجارب ما بعد الحرب

انظروا إلى تجربة لبنان بعد الحرب الأهلية؛ راهن على جامعاته وصحافته، فظل منارة فكر رغم الدمار. وتونس بعد 2011 وضعت الثقافة والبحث في قلب التحول الديمقراطي.

رواندا، بعد إبادة 1994، لم تبنِ مصانعها قبل مدارسها، بل أعادت تأهيل المعلمين والكتّاب أولاً، فصارت اليوم نموذجاً للنهوض. وجنوب أفريقيا، بعد الفصل العنصري، جعلت من الفن والأدب أداة للمصالحة وبناء الهوية.

وتشيلي، بعد سنوات الديكتاتورية، أعادت الاعتبار إلى الجامعات والمراكز البحثية، فيما جعلت الأرجنتين من السينما والمسرح مرآة لمواجهة الذاكرة الجمعية والخروج من الأزمة.

كيف نخرج من عنق الزجاجة؟

الخروج يبدأ بإعلان واحد: أن المبدع والعالم والطالب هم خط الدفاع الأول عن الوطن. يجب أن تكون حمايتهم وإعادتهم وتمويلهم أولوية وطنية لا تقل عن إعمار الجسور. يجب أن نوقف نزيف الهجرة، ونوفر بيئة آمنة للفكر، ونعيد للجامعة هيبتها، وللكتاب قيمته، وللفن دوره في التضميد.

الحرب فرضت علينا هذا الواقع، لكننا لم نختاره. وعلينا الآن أن نختار: إما أن نستثمر في العقول فنبني وطناً، أو نتركها تهاجر فنخسر الوطن مرتين.

كفى حرباً يا هؤلاء. فالوطن الذي يقتل مبدعيه، يقتل نفسه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.