كلمة العدد: “صديق تاور في “رأيت كل شيء”: شاهد على وجع المبدعين وداعٍ لإيقاف الح.رب”

صحيفة الهدف

منذ عقود ظل البروف صديق تاور عضو مجلس السيادة الانتقالي الشرعي، حاضراً ليس فقط في ساحات السياسة والفكر، بل في قلب هموم المبدعين السودانيين. عُرف تاور باهتمامه المتواصل بأهل الفن والثقافة، وتتبعه الدقيق لأحوالهم، وإيمانه بأن الثقافة هي ذاكرة الشعوب وضميرها الحي الذي لا ينبغي أن يُترك للرصاص والحصار.

وفي إصداره الأخير “رأيت كل شيء” الذي تم تدشينه منتصف هذا الأسبوع بمركز تسامح بالدقي في القاهرة، يفتح البروف نافذة موثقة على ما جرى للمشهد الثقافي السوداني في زمن الح.رب. لا يكتب تاور من موقع المراقب البعيد، بل من موقع الشاهد الذي تواصل مع الفنانين يومياً، وسجل تفاصيل معاناتهم بحرقة وألم.

ينقل لنا في الكتاب مشاهد مؤلمة من أحياء أم درمان والخرطوم. يتحدث عن أبو عركي البخيت الذي رفض مغادرة “حي العودة” رغم استنفار قوات الد.عم الس.ريع، وظل صامداً مع ابنه سيزار بينما كانت البيوت تُستباح، وتُستخدم خزاناتها وبيوتها الخالية كمقرات عسكرية.

ويروي عن الدكتور عبد القادر سالم ربنا يتولاه برحمته “الأب الروحي للفنانين” الذي ظل متمسكاً بمنطقته رغم انقطاع المياه لأيام، وعن الفقيد الشاعر المبدع هاشم صديق، له الرحمة والمغفرة، الذي لم يتمكن من مغادرة “بانت شرق” إلا بعد تدهور حالته الصحية.

كما يوثق الكتاب رحيل عدد من الرموز تحت وطأة الح.رب: الفنان الملحن عمر الشاعر الذي فارق الحياة بعد معاناة وحصار ولم يتمكن أحد من تشيعه، وآسيا عبد الماجد رفيقة درب للفنان الفيتوري التي فارقت الحياة بق.ذيفة سقطت على منزلها، وتاج الدين الفيتوري الذي وُجد مق.تولاً داخل منزله وبيده سبحة.

تاور لا يكتفي بالرثاء. هو يتتبع أحوال الشعراء المشتتين: التيجاني حاج موسى في “أمبدة السبيل”، ومختار دفع الله في “الثورة”, ويسجل كيف أن انقطاع الماء عن “بانت غرب” دفع بالمبدعين للبحث عن “مناطق بديلة قابلة للحياة”. حتى القصائد نفسها صارت توثيقاً للوجع، حين أرسل له الشاعر مختار دفع الله قصيدة في “حب أم درمان” استصعب عليه فيها فكرة المغادرة رغم الدبابات والصواريخ.

ما جاء في “رأيت كل شيء” ليس مجرد صفحات في كتاب، بل شهادة تاريخية على أن الح.رب لا تقتل البشر فقط، بل تقتل الذاكرة والكلمة واللحن. لقد دفعت المبدعين ثمناً باهظاً: نزوح، وحصار، ونهب، وموت في صمت.

إننا ونحن نقرأ هذا التوثيق المهم للبروف صديق تاور، نؤكد أن أولى خطوات إعادة بناء السودان تبدأ بإيقاف هذه الح.رب. فلا نهضة بلا ثقافة، ولا مستقبل بلا مبدعين.

كفى ح.رباً.. حتى لا نفقد ما تبقى من روح هذا الوطن.

#ملف_الهدف_الثقافي #صديق_تاور #رأيت_كل_شيء #الثقافة_السودانية #أدب_الحرب #السودان #حرب_السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.