الفنان التشكيلي والشاعر والمصمم بدر الدين محمد النور (أبو عمر)، خريج معهد الفنون التشكيلية بجامعة السودان، وأحد أبرز رواد تصميم أغلفة الكتب والدواوين الشعرية في المشهد الثقافي السوداني، حيث تجاوزت أعماله الوظيفة البصرية إلى بناء علاقة جمالية عميقة مع النص. جمع في مسيرته بين الريشة واللون والكتابة الشعرية بالفصحى والعامية، ليقدم تجربة متكاملة بين التشكيل والأدب.
يفتح بدر الدين في هذا الحوار مع #ملف_الهدف_الثقافي دفاتر تجربته الطويلة، متطرقاً إلى عدة محاور جوهرية: حوار يكشف بدر الدين الفنان.. وبدر الدين الإنسان.
حوار: عبدالمنعم مختار
#في بلد أنهكته الحرب، هل تستطيع اللوحة أن تكون فعل مقاومة وبناء سلام؟ وكيف يمكن للفن التشكيلي أن يساهم في ترسيخ ثقافة الأمن والسلام وإيقاف دوامة العنف في السودان؟
بعد الحرب الليبية، زرت طرابلس وشاهدت دور الفنان التشكيلي واللوحة في الإسهام في دمل جراح الاحتراب. ولكن ليس باللوحة المعلقة في صالون أو غرفة، وإنما باللوحة العامة، الجدارية؛ حيث انتشرت رسائل السلام في كل مساحات المدينة، لوحات جميلة وجاذبة وبمقاسات ضخمة تحت الكباري وفي الحدائق.
وهنا يبرز دور الفنان في توصيل رسالته الإيجابية التي تتقاطع مع رسالة السياسي السالبة، وذلك في قالب جميل وعام يصل إلى كل المواطنين. وفي حشد القيادة تكررت الفكرة وانتشرت الجداريات هنا وهناك، وبعد تحرير الخرطوم هنالك بعض الجهود في عمل جداريات، نأمل أن تتكاتف الجهود في تنفيذها.
#عملت في السودان والسعودية وليبيا، واحتككت ببيئات ثقافية متعددة. كيف أثرت كل هذه المحطات والبيئات المختلفة على بدر الدين التشكيلي؟
السفر دائماً بغرض كسب الرزق، لذا كان العمل يستنزف زمن وجهد الإنسان. فقد اغتربت في أوائل الثمانينيات، وعملت قليلاً في المطابع خطاطاً ومصمماً بالوسائل اليدوية قبل ظهور الكمبيوتر، ثم اضطرتني الظروف للعمل موظفاً في تجارة الثياب السودانية.
وكانت تلك بداية عودتي للرسم، حيث كنت أرسم على كراتين الأقمشة بأقلام التحبير. تلك الرسومات أقمت بها أول معرض سنة 1999 بمتحف السودان.
أما في ليبيا، فقد كانت من تبعات الحرب اختزال النشاط التشكيلي في أضيق الحدود، وفي مجال التصميم والنشر توقفت الصحف والمجلات. لم أستفد من فترة ليبيا؛ فطيلة فترتي في طرابلس كان نشاطي ينحصر في تصميمات أوراق مروسة ولافتات وأختام.
#هل عبرت أعمالك عن قضايا الإنسان العربي والإفريقي، أم ظل الإنسان السوداني هو مركز مشروعك الفني؟ ولماذا؟
أعترف أن مشروعي انحصر في سودانيتي. رسمت معرضاً كاملاً يضم 30 لوحة، تعبر عن الثقافات السودانية في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وعن أهم المعالم التاريخية والجمالية.
حقيقة، كنت عازفاً عن التعبير عن العروبة التي ندخل أقطارها بتأشيرات وإقامات وكفلاء، وعن الأفريقية التي، في رأيي، هي جغرافية وليست رابطة إثنية واحدة.
صممت أغلفة وكتباً لعمالقة الأدب والشعر، من عبدالله الطيب والهادي آدم إلى مصطفى سند وهاشم صديق وغيرهم. كيف كان الحوار بين النص الأدبي واللون؟ وهل يمكن للغلاف أن يضيف معنى جديداً للنص؟
نعم، أتيح لي أن أصمم، ومن الأعمال التي أعتز بها أنني صممت لوزير الإعلام السعودي محمد عبده يماني غلاف كتابه «أفريقيا لماذا؟» في العام 1985، وكان بالوسائل اليدوية، مثل الفرشاة الهوائية Airbrush والكولاج والتصوير والخط اليدوي.
وصممت منذ الثمانينيات قرابة الألف من الكتب والأغلفة. أما فلسفتي في الغلاف فتتلخص في عدة أشياء؛ منها أن يكون جذاباً وجميلاً ومعبرًا، ونصاً بصرياً موازياً يختزل المحتوى. وقد نالت كل أغلفتي رضا وإعجاب ودهشة الكُتّاب.
#بعد أكثر من أربعة عقود في التعليم والإبداع، ما أكثر ما يقلقك في واقع الحركة التشكيلية السودانية اليوم؟ وأين ترى بذور الأمل في الجيل الجديد من الفنانين؟
حقيقة، وبلا مكابرة، أنا مطمئن للجيل الجديد من الفنانين، فقد امتلك العديد من أدوات التغذية البصرية المتمثلة في الميديا والقنوات الفضائية، وأتيحت له المواد التي تمكنه من الإبداع. وبالفعل قدموا فنوناً راقية وجميلة، إلا أن ارتباط هذا الجيل ضعيف بالموروث الثقافي.
مثلاً، لا يعرف كثيراً عن شعر ود الفراش وعكير الدامر، ولا مفردات الحياة التي يرسمونها في لوحاتهم، مثل أدوات القهوة: الشرقرق والوقاية والقلاية.. إلخ. لذا كنت في مستهل محاضراتي بكلية الفنون أقوم بالتذكير بذلك التذكير والتراث لاستكمال حلقات الإبداع.
#كتبت الشعر، ودرست الموسيقى، وعشت مع اللون. هل ترى أن الفنون كلها لغة واحدة تتعدد لهجاتها، أم أن لكل فن منطقة لا يستطيع الآخر الوصول إليها؟
في مرحلة سنية معينة تبرز للصبية حاجة ملحة للنشاط الإبداعي؛ فالبعض يتجه إلى الرياضة، والبعض إلى الأدب، والبعض إلى الفنون. ولكن الآداب والفنون عندي تلتقي في الحاجة إلى التعبير والاجتهاد في امتلاك الأدوات.
وجدت نفسي في مرحلة مبكرة أدرس علوم العَروض، وأهتم بالبلاغة والنحو، وكتبت الشعر وأنا في المرحلة الثانوية. وبالفعل، إحدى القصائد التي كتبتها في الثانوي، في سن الثامنة عشرة، قام بتلحينها وأدائها الفنان الرشيد كسلا، وتقول بعض كلماتها:
«مبروك عليك وأتمنى إنك تسعدي
ما قلت ليك لسع أنا وزرعت في قلبي المنى
ما قلت ليك قبال أريدك فكري
ما قلت ليك بخاف عليك تتغيري
ما قلت ليك كلام كتير.. اتذكري»
والآن لدي مخطوطتان بصدد الطبع؛ الأولى ديوان شعر باسم «ما كذب العسل»، والثانية كتابات باسم «ود مدني.. لطائف رقمية».
أما في مجال الفن التشكيلي، فقد كان هو النشاط الاحترافي؛ نلت فيه الدرجات الجامعية، وأقمت المعارض في الداخل والخارج، وعملت أستاذاً بكلية الفنون، وورثت طلابي الخبرات المتراكمة.
أما الموسيقى، فقد كانت هاجساً منذ المرحلة الثانوية؛ فقد تعلمت مبكراً العزف على الآلات المتاحة، مثل الطنبور والهارمونيكا. وفي كلية الفنون أتيحت لنا، من خلال جمعية الموسيقى، فرصة تعلم الصولفيج والعزف على العود وقيادة أوركسترا الكلية.
ومن خلال هذا السرد، وددت أن أثبت أن كل الفنون تخرج من مشكاة واحدة.
#لو طلبت منك الحرب أن ترسم لها لوحة أخيرة قبل أن ترحل عن السودان، ولو طلب منك السلام لوحة أولى بعد عودته، ماذا سترسم في كلتا اللوحتين؟
لكني لن أرحل، بل سأبقى لأرى المآسي، لا أرسمها، لتراها الأجيال اللاحقة. أما السلام، فكل لوحاتي هي تبشير وتبصير بالسلام.

Leave a Reply