مصطفى سيد أحمد والدراما (1): حينما تلتحم العناصر .. مصطفى سيد أحمد المعلم.. الفنان الشامل… المتطلع

صحيفة الهدف

منى عبد الرحيم

بداياته.. أتى منتدباً من معهد التربية ببخت الرضا إلى معهد تدريب معلمات المرحلة المتوسطة، والخاص بتأهيل المعلمين في جميع التخصصات التربوية، جاء لكي يجد ضالته المنشودة بأن تكون دراسة المسرح ضمن تخصصاته التربوية، لتحقيق رغبته في صقل موهبته المسرحية، بهدف استخدام الدراما كوسيلة تعليمية وتحقيق مشروع مسرحة المواد التعليمية الذي بدأ تطبيقه آنذاك.

جاء مصطفى وهو يحمل الكثير من القيم والمضامين التربوية والحياتية وطموحاته لإبراز مواهبه المتعددة وإبداعاته من خلال المسرح كأب للفنون.

لكن أستاذه محمد سراج الدين قد فرض عليه دراسة الموسيقى، فاستجاب له.

ليبدأ بأغاني الكورال التي لحنها له وتغنى بها كأساسي في الكورال. بدأ مصطفى في استقطاب عدد من المعجبين، ثم استمر في تأكيد وجوده إعلامياً، إلى أن بدأ في الانتشار، وذلك بعد نجاح أغنية «الشجن الأليم» و«والله أيام يا زمان» و«تاني تاني»، فجذب جمهور المتذوقين في جلسات الاستماع الأسبوعية، ثم تواصل عطاؤه.

إن بداياته في المعهد رسخت في دواخله استعداداً وخبرات تراكمت عنده بفعل البيئة والتجارب التي خاضها مع محمد سراج الدين، وكذلك مشاركاته لشعبة المسرح في عدد من العروض التي قدمت بمشاركة المعلمين والمعلمات، منها عرض معد لـ«بندر شاه» للطيب صالح، ومسرحية «مينارتي تدعو العصافير» لمحمد الحسن دكتور، و«سيدتي النبيلة» لعبد الغفار الحوري، وعمل لخطاب حسن أحمد، كله من إخراج منى عبد الرحيم وموسيقى محمد سراج الدين.

هذا التواصل جعل مصطفى يؤكد وجوده المسرحي ويحقق التوازن بين الموسيقى والدراما، مما جعله يفجر طاقاته الإبداعية بتحليق الذات وتنمية الشخصية وممارسة فعل الاكتشاف وإطلاق العنان للخيال والتعبير عن النفس والقدرات من خلال خصوصيته.

إن مرحلة التقائه بالشعراء الدراميين الذين كانوا يرتادون المعهد آنذاك بقصد المشاركة في لجان التحكيم والفعاليات، كانت هي مرحلة بداية انتشار مصطفى.

ولعل هذه المرحلة في حياته كانت من أجمل فترات البحث عن الذات، فقد توفر لها أمان التكوين ومناعته بتعاونه مع الشعراء المسرحيين، فبدأ في محاولة تقديم إنتاجه الخاص بصورة مغايرة، حيث إنه بدأ بشجاعة في المخاطرة بهدف البحث عن الجديد، بتفجير طاقاته الإبداعية اللحنية والتحدي بتلحين أغنية «المسافة» التي أضافت لأغنياته بعداً جديداً ومشهدية جذابة.

بعدها بدأ في تحقيق مشروعه الهام إلى أرقى مستوياته.

تمرد مصطفى على القواعد والقوالب السائدة ليؤكد فلسفته الخاصة.

هذا التمرد بدأ بطرق تكوينه ومساره لبناء أساليب تكوين مختلفة، ليبني هويته.

فقد صار يبحث عن اللونية الخاصة والهيكلية المتأصلة المختلفة في النص الشعري، ليؤكد دور الدراما داخل عملية الدلالة النصية وحضورها في مختلف اللحظات السردية المتنوعة، حسب تلقيه ودلالته، لينقل الأغنية إلى مرتبة راقية من التلاقي لدى المستمع.

فيتجاوز كل المرجعيات ليحولها إلى رؤية نافذة، ثم إلى جوهر الشحنات التعبيرية للذات الإنسانية والقوة الانفعالية للحدث الدرامي التمثيلي، وما يمكن أن تعكسه تفاعلات النص في الفضاء المسرحي، ليفرد للمتلقي مجالاً فسيحاً كي يتذوق ويشاهد ويكتشف ويشارك ويمارس البحث عن حضور دلالي ليحقق به رغباته وانفعالاته.

أصبح لهذه القصائد وهذا الإبداع الشعري انبعاث جديد من أجل تجويد الإدراك.

هذه القصائد بما تحتويه من دراما وموسيقى شعرية ولحن وأداء تجعلنا نشعر بإحساس التمازج، وتجعلنا نتأمل معناها ونستكشف فيها جوانب الدراما، فنتجاوب معها ونستمتع بلحنها وأدائها.

وبهذا تترسخ رابطة النص والأيديولوجية.

يتمازج الشعر مع اللحن وصولاً إلى دلالات مرتبطة بقراءات وتذوق مختلف، لينقل العمل إلى مرتبة راقية في التلقي لدى المستمع.

لقد أحالنا غناء مصطفى إلى مفاهيم وتطورات وأفكار مجردة تشير إلى موضوعات فكرة السلطة والتسلط، وإلى فكرة صناعة الأنظمة والتحكم في العقول والشعوب، كما نجد فيها التجريب والتأكيد والارتقاء بالسهل الممتنع الذي لا يمنع الأحاسيس ويستولد نفسه في اللاوعي.

هذا الشكل الموسيقي المسرحي المغاير وأهميته لدوره الحيوي في إثراء الجهود بتقديم الجديد بأسلوب جذاب، أتانا به مصطفى سيد أحمد بألحانه النادرة وبأدائه لأغانيه المختلفة، والتي تصبح فيها الموسيقى بطلاً أساسياً درامياً من أبطال عرض الدراما الموسيقية.

لقد حقق لنا مصطفى شغف التواصل مع إنتاجه وتذوقه بالفاعلية الجمالية في مشروعه، لأنه رسم شخصية إنتاجية خالدة، وخلق حالة مستمرة من الإبداع والثقافة.

لأنه كان يعني بأن الإنسان يجب أن يخوض تجربة الحياة بشرف ويغادرها وهو يحمل الكثير من القيم والمضامين التي يقتدي بها الآخرون، ليسطر اسمه بشرف في التاريخ.

#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_سيد_أحمد #منى_عبد_الرحيم #الدراما_الموسيقية #المسرح_السوداني #الثقافة_السودانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.