د. حنان الهادي
ماذا لو كان أكثر ما نشتاق إليه في الماضي… شيئًا لم يكن موجودًا فيه أصلًا؟
بدأت رحلتي من أذربيجان، ثم جورجيا، ثم أرمينيا. لم تكن أرمينيا أكثر من محطة جديدة أردت من خلالها أن أتعرف على بلاد لم أزرها من قبل. كانت أرمينيا الدولة الرابعة والثلاثين التي أزورها. كنت ببساطة أريد أن أرى بلدًا جديدًا، وأن أتعرف على مكان لم أعرفه من قبل، وأن أتحدث مع شعوبه وأترك للمكان فرصة أن يحدثني بنفسه.
وكانت أرمينيا جميلة على نحو يصعب اختصاره. فيها ذلك التناقض الساحر بين الارتفاع والانخفاض، بين الجبال والمياه، بين الصخور البركانية القاسية والبحيرات الهادئة.
رأيت بحيرة سيفان، بمائها الصافي الذي أخذ من زرقة السماء حتى بدا كأنه فيروز يزين جيد أرمينيا. ورأيت ديليجان الخضراء، حيث تعكس البحيرات غابات البلوط والصنوبر، والتي يصفها سكانها بأنه إذا كانت للجنة غابة على الأرض، فهي في ديليجان.
شاهدت تكوينات صخرية بركانية غريبة، أعمدة وضفائر حجرية متراصة كأصابع آلة الأورغن، يصعب أن تصدق للوهلة الأولى أنها لم تُرتب بأيدي البشر.
كنت أتأمل هذا الجمال وأفكر في عظمة الخالق، وفي ذلك الإبداع الذي يمكن أن تصنعه الطبيعة عبر ملايين السنين.
وفي آخر يوم، جلست في صالة الفندق إلى جوار شاب أرميني. بدأت بيننا ونسة عفوية، كما تحدث أحيانًا بين شخصين لا يعرف أحدهما الآخر. ثم، في لحظة طريفة، سألني: كم تتوقعين عمري؟
قلت له مازحة: بين السادسة عشرة والتاسعة عشرة.
ضحك وقال: أنا عمري 17 سنة.
واصلنا الحديث، وسألني عن سبب اختياري لأرمينيا.
فقبل أن أجيبه بأن أرمينيا كانت آخر محطة في رحلتي في بلاد القوقاز، والتي بدأت بأذربيجان، تذكرت الحساسية السياسية بين البلدين، ففضلت أن أذكر له ما أعرفه عن أرمينيا من جمال الطبيعة، وما رأيته فعلًا، والذي فاق تصوري.
ثم سألني سؤالًا آخر لم أكن أتوقعه: هل تتخيلين نفسك تعيشين في أرمينيا؟
كان يمكن أن أجيبه ببساطة: لا أعرف، ربما. لكن السؤال أخذني بعيدًا جدًا عن أرمينيا.
أخذني إلى السودان. إلى الوطن، مهد الطفولة، إلى البيت الكبير الذي كان يتسع للعائلة والأقارب والضيوف، إلى أصوات الأصدقاء والصديقات، إلى الشوارع التي حفظناها قبل أن نعرف أننا سنغادرها يومًا، وإ إلى تفاصيل صغيرة لم نكن ندرك قيمتها ونحن نعيشها.
أخذني إلى ذلك النوع من الحنين الذي لا يتعلق بمكان واحد، وإنما بزمن كامل.
ثم تذكرت ألمانيا، الوطن الثاني الذي كان، في مرحلة أخرى من حياتي، مظلة وأمانًا ومساحة للبدء من جديد.
بلد لم يكن جزءًا من طفولتي، لكنه أصبح جزءًا من قصتي، ومن سنوات عمري، ومن الأشخاص والأماكن والتجارب التي صنعتني كما أنا اليوم.
هنا أدركت أن الإنسان يستطيع أن يحمل أكثر من وطن في قلبه، وأن الحنين ليس دائمًا إلى مكان.
فهل ستكون أرمينيا يومًا ما جزءًا من حياة نشتاق إليها؟
فسألت نفسي: إلى ماذا نشتاق فعلًا عندما نقول إننا نشتاق؟ هل نشتاق إلى المكان؟ أم إلى الأشخاص؟ أم إلى البيت؟ أم إلى زمن كانت فيه الحياة تبدو لنا أكثر أمانًا وبساطة؟
أم أننا نشتاق أحيانًا إلى نسخة قديمة من أنفسنا؟
نسخة لم تكن تعرف ما ستفقده، ولا ما ستواجهه، ولا كم ستتغير بعد سنوات.
وهنا وجدت أن الحنين أكثر تعقيدًا مما نظنه. فالحنين ليس ضعفًا، وليس عجزًا عن التقدم. الحنين أحد أشكال الوفاء.
هو طريقة القلب في القول: لقد كان لهذا المكان، ولهؤلاء الناس، ولهذا الزمن، معنى في حياتي.
من الطبيعي أن نشتاق وأن نتذكر.
ومن الطبيعي، بعد الح.رب والفقد والاقتلاع، أن يصبح البيت القديم في ذاكرتنا أكثر دفئًا، وأن تصبح الأيام التي سبقت الألم أكثر جمالًا كلما ابتعدنا عنها. لكن هل كان الماضي فعلًا كما نتذكره؟
هنا أجد فكرة الباحثة والمفكرة سفيتلانا بويِم (Svetlana Boym)، أستاذة الأدب المقارن والدراسات الإنسانية في جامعة هارفارد، شديدة الأهمية.
في كتابها The Future of Nostalgia، تناولت الحنين بوصفه تجربة إنسانية وثقافية معقدة، وميزت بين حنين يريد استعادة الماضي وإعادة بنائه، وحنين آخر يتأمل الماضي وفقده دون أن يطالب الزمن بالعودة.
وهذا التمييز جعلني أفكر في شيء نفعله جميعًا دون أن نشعر.
نحن لا نتذكر الماضي كله. نتذكر ما نحب، وننسى أن الماضي نفسه كان يحمل مشاكله وأوجاعه.
الماضي لم يكن كاملًا. كان فيه الجميل، نعم، لكنه كان يحمل أيضًا ألمًا ومعاناة وقيودًا وأحلامًا مؤجلة.
لكن حين يغمرنا الحنين، قد تتراجع كل هذه التفاصيل إلى الخلف، وتبقى صورة أكثر نعومة صنعناها نحن في ذاكرتنا.
حتى لو استطعنا العودة إلى الماضي، فلن نعود نحن أنفسنا. سنعود إليه بعقولنا الحالية، وتجاربنا الحالية، وأسئلتنا الحالية. سننظر إلى البيت القديم بعيون لم تكن موجودة يوم كنا نعيش فيه، وسنلتقي بالأصدقاء أنفسهم، لكننا لن نكون الأشخاص أنفسهم.
فنحن لا نريد الماضي كما كان.
نحن نريد أن نعيد عيشه كما نتذكره الآن.
وربما هذا هو السبب في أن فكرة العودة إلى الماضي الجميل تبدو أحيانًا أسهل من محاولة بناء مستقبل جديد.
الماضي نعرفه، حتى بألمه، أما المستقبل فلا نعرفه.
وبعد كل ما مررنا به، قد يبدو المجهول أكثر إخافةً من شيء نعرفه ونشتاق إليه.
لكن هنا أعتقد أن علينا أن نقول لبعضنا: حنّوا كما شئتم. أحبوا ماضيكم. تذكروا بيوتكم وأصدقاءكم وأوطانكم، فالحنين ليس ضعفًا،
لكن لا تجعلوا الحنين يخبركم أن أجمل ما يمكن أن يحدث قد حدث وانتهى. لأن الإنسان الذي يعتقد أن أجمل حياته خلفه، قد يعيش في الماضي حتى لو كان جسده في الحاضر.
أما الإنسان الذي يستطيع أن يقول: كان هناك جميل فقدته، لكن ربما هناك جميل آخر لم أكتشفه بعد، فهو يستطيع أن يحب الماضي دون أن يصبح أسيره.
وربما لا يكون الوفاء الحقيقي للماضي في أن نحاول استعادته كما كان، بل في أن نعرف ما الذي كان جميلًا فيه، ثم نبحث عن طريقة جديدة ليعيش معنا.
وهنا أعود إلى سؤال الشاب الأرميني: هل تتخيلين نفسك تعيشين في أرمينيا؟
لم يكن يعرف أن سؤاله جعلني، للمرة الأولى منذ وقت طويل، لا أسأل: كيف يمكن أن تعود الحياة كما كانت؟ بل أسأل: ماذا لو كانت هناك حياة جميلة أخرى لم أكتشفها بعد؟
هذا هو الفرق بين أن نعيش على ذاكرة الماضي، وأن نتعلم منها.
الماضي يمكن أن يكون بيتًا نزوره، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى بيت نسكنه إلى الأبد.
فالماضي يستحق أن نتذكره… لكن المستقبل يستحق أن نتخيله.
#ملف_الهدف_الثقافي #د_حنان_الهادي #الحنين #أرمينيا #أدب_الرحلات #فلسفة_الحياة #الذاكرة_والمستقبل

Leave a Reply