حين تصبح الثروة بلا اقتصاد: المعضلة العربية بين اقتصاد الريع وضرورة بناء اقتصاد الإنتاج

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

هناك أممٌ فقيرة لأنها لا تملك الموارد، وأممٌ أخرى فقيرة لأنها لا تعرف كيف تحوّل مواردها إلى قوة إنتاج. وبين الفقرين مسافة كبيرة؛ فالأول فقرٌ في الإمكانات، أما الثاني فهو فقرٌ في القدرة على تحويل الإمكان إلى واقع. وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في الاقتصاد العربي.

فالوطن العربي ليس فقيراً بالمعنى التقليدي للكلمة؛ في أرضه النفط والغاز، وفي مياهاه البحار والممرات، وفي موقعه الجغرافي ملتقى القارات، وفي مدنه أسواق واسعة، وفي جامعاته ملايين الشباب، وفي ذاكرته الحضارية خبرة طويلة في التجارة والزراعة والصناعة والعمران. ومع ذلك، فإن امتلاك الثروة لم يتحول دائماً إلى امتلاكٍ موازٍ للقدرة الاقتصادية. والفرق بين الثروة والقدرة هو بالضبط الفرق بين أن تملك شيئاً، وأن تعرف كيف تصنع به مستقبلك.

قد تبدو العبارة صادمة، لكنها ضرورية: الثروة وحدها لا تصنع اقتصاداً. فالاقتصاد الحقيقي لا يُقاس بما تستخرج الأرض من باطنها فقط، وإنما بما يستطيع المجتمع أن ينتجه بعقول أبنائه وأيديهم ومؤسساته. النفط ثروة، لكنه ليس اقتصاداً كاملاً. الغاز ثروة، لكنه ليس اقتصاداً كاملاً. الموقع الجغرافي ثروة، لكنه لا يصبح قوة اقتصادية إلا إذا تحول إلى موانئ وخدمات ولوجستيات وصناعة وسلاسل إمداد. والشباب ثروة ديموغرافية، لكنهم لا يصبحون قوة إنتاجية إلا حين تتحول المدرسة إلى معرفة، والجامعة إلى مهارة، والمهارة إلى عمل، والعمل إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة. ولهذا فإن السؤال الجوهري: ماذا نصنع بما نملك؟

المشكلة في الاقتصادات الريعية ليست في وجود الريع ذاته، فالريع يمكن أن يكون نعمة عندما يتحول إلى رأس مال للتنمية، وإلى استثمار في الصناعة والتعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية والإنسان. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الريع من وسيلة لتمويل التحول الاقتصادي إلى بديل عن التحول الاقتصادي. عندها يصبح الاقتصاد مشغولاً بتوزيع الدخل أكثر من انشغاله بإنتاجه، ويصبح السؤال السياسي: “من يحصل على نصيبه من الكعكة؟” بدلاً من السؤال الاقتصادي الأهم: “كيف نزيد حجم الكعكة نفسها؟” وهنا يبدأ الاختلال.

فالاقتصاد الذي يعيش طويلاً على مورد خارجي أو سلعة أولية قد يعتاد الوفرة دون أن يبني بالضرورة القدرة على الإنتاج. ومع مرور الزمن، تتشكل مصالح ومؤسسات وأنماط استهلاك ووظائف وسياسات مالية تتكيف مع الريع، حتى يصبح الانتقال إلى اقتصاد منتج أكثر صعوبة. وهكذا لا يعود الريع مجرد مورد مالي، بل يتحول إلى طريقة في التفكير الاقتصادي.

لا ينبغي أن يُفهم نقد الاقتصاد الريعي بوصفه دعوة إلى التقشف أو خفض مستوى معيشة الناس؛ على العكس، المجتمع المتقدم هو الذي يستطيع أن يوفر لأفراده حياة أفضل، لكنه يفعل ذلك من خلال زيادة قدرته على الإنتاج لا من خلال زيادة قدرته على الاستيراد فقط. فالاستيراد ليس خطأ في ذاته، فجميع الاقتصادات تتاجر وتستورد، لكن الخطر حين يصبح الاقتصاد العربي سوقاً ضخمة للسلع والخدمات والتكنولوجيا التي ينتجها الآخرون، بينما تبقى القيمة المضافة الكبرى خارج حدوده. عندها تتحول القوة الشرائية إلى قوةٍ مؤقتة، بينما تبقى القوة الإنتاجية ضعيفة. والفرق بينهما جوهري؛ القوة الشرائية تستطيع أن تشتري المستقبل لفترة، أما القوة الإنتاجية فهي التي تصنع المستقبل.

ربما لا توجد مفارقة أكثر وضوحاً من المفارقة بين التوسع في التعليم وبين استمرار فجوة المهارات والعمل والإنتاج في أجزاء واسعة من الوطن العربي. فالتعليم الذي لا يتحول إلى قدرة إنتاجية يظل ناقصاً، والجامعة التي تمنح الشهادة ولا تمنح المهارة لا تستطيع وحدها أن تبني اقتصاد المعرفة. والاقتصاد الذي يطلب من الجامعة أن تنتج موظفين فقط، ثم يشكو لاحقاً من البطالة، إنما يعالج النتيجة ويترك السبب. فالمطلوب ليس مجرد زيادة أعداد الخريجين، وإنما إعادة تعريف العلاقة بين المدرسة والجامعة والسوق والصناعة والبحث العلمي.

فالدولة التي تريد اقتصاداً منتجاً لا تستطيع أن تفصل سياسة التعليم عن السياسة الاقتصادية؛ فالمصنع يحتاج إلى المهندس، والزراعة الحديثة تحتاج إلى عالم البيانات، والطاقة تحتاج إلى الباحث، والاقتصاد الرقمي يحتاج إلى المبرمج، والصناعة تحتاج إلى الإدارة، والدولة الحديثة تحتاج إلى الإنسان الذي يستطيع أن يفكر وينتج ويبتكر، لا الإنسان الذي ينتظر وظيفة.

وهنا تظهر قضية أكبر من حدود الدولة القطرية؛ فالوطن العربي يمتلك سوقاً ضخمة، لكنه لم يحوّل هذه السوق بالقدر الكافي إلى قاعدة إنتاج متكاملة. قد تنتج دولة النفط والطاقة، وأخرى الغذاء، وثالثة الخدمات، ورابعة الصناعات الدوائية، وخامسة التكنولوجيا، لكن القيمة الحقيقية لا تظهر عندما تعمل هذه الاقتصادات منفردة، وإنما عندما تتكامل. إن التكامل الاقتصادي العربي ليس شعاراً رومانسياً من زمن آخر، بل هو ضرورة اقتصادية تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي المعاصر. فالدول الكبرى لا تدخل الاقتصاد العالمي باعتبارها جزراً منفصلة، وإنما عبر شبكات إنتاج وأسواق وتمويل ومعرفة وتكنولوجيا. ومن هنا فإن السؤال الأهم: كيف يمكن أن يتحول الوطن العربي إلى منظومة إنتاجية مترابطة؟

لا يمكن بناء اقتصاد إنتاجي من دون طبقة وسطى قوية. فالطبقة الوسطى ليست مجرد شريحة دخلية، بل هي المدرسة التي يتعلم فيها المجتمع، والجامعة التي يتخرج منها، والمصنع الذي يعمل فيه، والسوق الذي يشتري منه، والمشروع الصغير الذي يؤسسه، والمهني الذي يقدم خدماته، والموظف الذي يدير مؤسساته. وعندما تتآكل الطبقة الوسطى، لا يخسر المجتمع مستوى من مستويات الدخل فقط، بل يخسر جزءاً من طاقته الاقتصادية والاجتماعية والاستقرار المؤسسي. ولهذا فإن حماية الطبقة الوسطى ليست سياسة اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد، بل هي جزء من استراتيجية النمو نفسها. فالاقتصاد يحتاج إلى مستهلك قادر على الاستهلاك، وعامل قادر على الإنتاج، ومهني قادر على الابتكار، ومستثمر قادر على المخاطرة، وشاب يرى في المستقبل فرصة لا تهديداً.

ليس المطلوب دولة غائبة، كما أن الحل ليس في دولة تتدخل في كل شيء؛ المطلوب هو دولة اقتصادية ذكية، تضع القواعد، وتحمي المنافسة، وتستثمر في الإنسان والبنية الأساسية، وتمنع الاحتكار والفساد، وتخلق بيئة يستطيع فيها القطاع الخاص المنتج أن ينمو. فالقطاع الخاص لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، كما أن الدولة لا ينبغي أن تكون بديلاً دائماً عن القطاع الخاص. المعادلة الصحيحة هي: دولة قوية في التنظيم، قوية في العدالة، قوية في التخطيط الاستراتيجي، وقوية في حماية المصلحة العامة، واقتصاد قوي في الإنتاج والمنافسة والابتكار. أما حين تختلط الدولة بالسوق وتصبح الامتيازات بديلاً عن المنافسة، فإن رأس المال قد يبحث عن النفوذ بدلاً من البحث عن الكفاءة، وعندها يصبح الاقتصاد منتجاً للثروة الخاصة أكثر مما هو منتج للقيمة العامة.

ربما آن الأوان لكي نغيّر طريقة صياغة السؤال الاقتصادي العربي. لقد سألنا طويلاً: كم لدينا من النفط؟ كم نملك من الاحتياطيات؟ كم بلغت الصادرات؟ كم أنفقنا على المشروعات؟ وكم بلغ الناتج المحلي؟ لكن السؤال الأعمق هو: كم ننتج من المعرفة؟ كم ننتج من التكنولوجيا؟ كم ننتج من الغذاء؟ كم ننتج من الدواء؟ كم ننتج من الآلات؟ كم ننتج من القيمة المضافة؟ وكم من وظائف المستقبل نستطيع أن نصنعها بأيدينا؟ فهذه هي الأسئلة التي تقيس انتقال المجتمع من اقتصاد امتلاك الموارد إلى اقتصاد امتلاك القدرة.

إن المعركة الاقتصادية العربية في جوهرها ليست معركة أرقام، وإنما معركة نموذج: نموذج يرى الثروة دخلاً يُنفق، ونموذج يراها رأس مال يُستثمر. نموذج يرى الإنسان تكلفة على الموازنة، ونموذج يراه أهم استثمار. نموذج يرى التعليم خدمة، ونموذج يراه بنية تحتية للإنتاج. نموذج يرى الشباب عبئاً على سوق العمل، ونموذج يراهم سوقاً ومهارة وطاقة إنتاجية. ونموذج يرى العالم سوقاً للشراء، ونموذج يريد أن يكون جزءاً من العالم منتجاً ومؤثراً.

إن القضية في النهاية ليست أن الوطن العربي يمتلك ثروات كثيرة أو قليلة، بل إن الثروة إذا لم تتحول إلى معرفة، والمعرفة إذا لم تتحول إلى إنتاج، والإنتاج إذا لم يتحول إلى عدالة اجتماعية، فإن دورة التنمية تظل ناقصة. ولهذا فإن المستقبل الاقتصادي العربي لن تحدده كمية ما تحت الأرض فقط، بل قدرة الإنسان العربي على أن يصنع ما فوق الأرض.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #الاقتصاد_العربي #اقتصاد_الريع #التنمية_المستدامة #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.