اقتصاد الأرصفة

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار

كلما ذكرت سيرة الاقتصاد السوداني، غالباً ما تتجه الأنظار إلى المصارف والشركات والأسواق الرسمية والاستيراد والتصدير وتجارة الحدود، بينما تتحرك في الشوارع والأحياء والأسواق شبكة اقتصادية موازية لا تظهر كاملة في دفاتر المؤسسات. هناك، حيث تعمل بائعات الشاي والقهوة والأطعمة والوجبات السريعة والباعة المتجولون وأصحاب المهن الصغيرة، ضمن اقتصاد هش لكنه شديد الحيوية وقادر على التأقلم مع أصعب الظروف.

لم يعد هذا الاقتصاد هامشياً؛ فمع اتساع الأزمة الاقتصادية واندلاع الحرب، أخذ يتمدد أفقياً ورأسياً ليستوعب أعداداً جديدة فقدت وظائفها أو مصادر دخلها. فهذه الحرب لم تصنع الاقتصاد الهش، لكنها وسّعت قاعدته ودفعت إليه فئات كانت تنتمي سابقاً إلى سوق العمل المنظم. وقد أدت عوامل فقدان الوظائف، توقف المؤسسات، نزوح الأسر، تعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جعل العمل اليومي الصغير ملاذاً اقتصادياً سريعاً.

تتضح أهمية هذه الأنشطة في كونها تحرك المال في دوائر صغيرة ومتكررة لتتشكل منها دورة اقتصادية واسعة؛ فبائعة الشاي تشتري مستلزماتها من سكر وقهوة ووقود، والبائع المتجول ينقل سلعته من تاجر الجملة إلى المستهلك. غير أن هذا الاتساع جاء مصحوباً بتآكل القدرة على الادخار، إذ يجبر التضخم وارتفاع الأسعار العامل على تدوير دخله سريعاً، بينما تؤدي حملات المطاردة المعروفة بـ«الكشة» إلى تدمير رأس المال العامل وضياع مصدر الدخل بالكامل.

وهنا تكمن المفارقة: كلما انكمش الاقتصاد الرسمي تحت ضغط الحرب، تمدد الاقتصاد الهش ليملأ الفراغ، مما يضاعف حاجة الدولة إلى تنظيمه بدلاً من التعامل معه كظاهرة مخالفة. والمطلوب هو الانتقال من المطاردات إلى التنظيم عبر مساحات عمل محددة، تراخيص مبسطة، بطاقات مهنية، تمويل أصغر، وخدمات صحية، إلى جانب توسيع الشمول المالي والدفع الرقمي. فالاقتصاد الهش ليس مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل هو مؤشر حي على إعادة المجتمع السوداني ترتيب موارده للبقاء، مما يجعل فهمه وحمايته جزءاً أساسياً من استراتيجية التعافي الاقتصادي.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #السودان #الاقتصاد_السوداني #اقتصاد_الأرصفة #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.