أكرم إبراهيم البكري
هل نحن أمام وفاة طبيعية لرجل أعمال سوداني صعد سريعاً من عالم المال إلى رئاسة نادي المريخ، أم أن خلف الرحيل المفاجئ أسئلة تتصل بشبكات المال والسياسة والتعدين؟
في الخامس من سبتمبر 2026، وصل خبر وفاة عمر عثمان النمير من القاهرة، حيث غادر الحياة بعد خضوعه لعملية جراحية وفق ما نشرته وسائل إعلام ونادي المريخ نفسه. ولم تُعلن حتى الآن تفاصيل طبية مستقلة وكاملة عن سبب الوفاة أو طبيعة المضاعفات. وهنا تحديدا يكون السؤال وليس الاتهام؛ ففي السودان تتداخل السياسة مع المال، والاقتصاد بشبكات النفوذ، والذهب أحد أهم مفاتيح القوة والثروة في سنوات الحرب. إن خبر وفاة شخصية اقتصادية دخلت في السنوات الأخيرة إلى مجال التعدين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبرا اجتماعيا أو رياضيا عاديا.
وسؤالي، وحتى لا يشطح عقل القارئ الكريم، ليس “من قُتل عمر النمير؟”، ولكن: ماذا كان يملك المرحوم؟ ومن مع من يعمل؟ ومن المستفيد من مشروعاته؟ وما هي المصلحة التي تتحرك بعد وفاته؟
عمر النمير من مواليد أمدرمان 1981، شايقي ودنباوي، من بيئة عادية لطبقة ظلت تناهض حتى تستقر على المستوى المتوسط. لكن أهمية الرجل لا تكمن في أصله الاجتماعي بقدر ما تكمن في سرعة صعوده الاقتصادي؛ فخلال فترة زمنية قصيرة، أصبح اسمه مرتبطا بشركات واستثمارات في الأمن الغذائي والزراعة والإنتاج الحيواني واستصلاح الأراضي، إلى جانب حضوره الرياضي والاجتماعي. وتذكر مصادر صحفية شركات باسمه مثل “فيض النعم”، و”سيمي للمقاولات”، و”وادينا”. وهنا يظهر السؤال الذي يجب أن يسبق أي تقييم سياسي أو أخلاقي: كيف تكونت هذه الثروة؟
وهنا لا أتهم المرحوم بالفساد لا سمح الله، لكنه سؤال مشروع لكل صحافة استقصائية تتناول صعود رجل أعمال في دولة شهدت خلال العقود الماضية إعادة تشكيل واسعة للطبقات الاقتصادية، وظهور رجال أعمال ارتبط صعود بعضهم بدرجات مختلفة بعلاقاتهم مع السلطة والقطاع العام والمؤسسات السياسية. ولعل من نافلة القول إن نشير إلى أن جزءاً من منظومة رجال الأعمال السودانيين صنعتهم الحركة الإسلامية خلال فترة حكمها فيما يعرف بترتيب الطبقات الاجتماعية.
في يناير 2024، دخل النمير إلى واحدة من أكثر المؤسسات جماهيرية وحساسية في السودان؛ نادي المريخ. لم يكن الرجل -بحسب الصورة التي تعكسها مسيرته العامة- سياسياً جماهيرياً تقليدياً ولا شخصية رياضية تاريخية خرجت من المدرجات، ومع ذلك وجد نفسه في قمة واحد من أكبر الأندية السودانية. واستمر وجوده في قيادة النادي حتى 2025، قبل أن يقدم استقالته في يوليو من ذلك العام في ظل أزمة مالية وانتقادات جماهيرية ونتائج رياضية متراجعة.
وهنا في السودان ظاهرة تستحق الوقوف والدراسة: لماذا أصبحت رئاسة الأندية الرياضية الكبرى في بعض المراحل امتداداً للنفوذ الاقتصادي والسياسي أكثر من كونها نتيجة طبيعية لمسار رياضي؟ وهنا يظهر اسم مزمل أبو القاسم ومساهمته الواضحة في تربّع النمير على قيادة نادي المريخ.
وبعد أن غيب الموت عمر النمير، فإذا كان هنالك ملف يستحق فتحه فهو ملف الذهب وليس ملف رئاسة نادي المريخ. ففي سبتمبر 2025، ظهر اسم عمر النمير في واحدة من أكثر صفقات التعدين إثارة للجدل في السودان؛ إذ دخلت شركة “ديب ميتالز” في مشروع قُدرت الاستثمارات المعلنة فيه بنحو 277.3 مليون دولار لاستكشاف وإنتاج الذهب في السودان، مع حديث عن الاستحواذ على نسبة كبيرة من منجم أركيديا، وإنشاء مصنع لمعالجة المخلفات ومصفاة للذهب. وظهر اسمان لشخصيتين في هذه القصة: رجل الأعمال المصري محمد الجارحي ومبارك أردول.
وفق تقارير منشورة، كان الجارحي شريكاً في الشركة، بينما تولى مبارك أردول إدارتها العامة، مع ورود اسم عمر النمير باعتباره أحد ملاكها. وهنا يتحول الملف من قصة رجل أعمال إلى قصة أكبر بكثير: السودان، الذهب، رأس المال المصري، رجال الأعمال السودانيون، وشخصيات ذات خبرة مباشرة في إدارة قطاع التعدين. لكن المفاجأة كانت في السجلات التي شككت في الرواية الرسمية حول هيكل ملكية “ديب ميتالز”. فقد نشرت “النورس نيوز” تحقيقاً قالت فيه إن مراجعة سجلات الشركة أظهرت أنها تأسست في مايو 2025 برأسمال مسجل قدره 30 مليون جنيه سوداني، وأن أسماء المؤسسين المسجلين شملت عمر النمير ومحمد جمال عبد القادر، مع وجود مبارك أردول في مجلس الإدارة، بينما لم يظهر اسم محمد الجارحي في هيكل الملكية الرسمي الذي استند إليه التقرير.
وهنا يظهر لي مدى الفساد الذي ضرب السودان: كيف يمكن لشركة رأسمالها المسجل بهذا الحجم أن تعلن عن استثمارات تصل إلى 277.3 مليون دولار؟ وتتتابع الأسئلة: ومن أين يأتي التمويل؟ ومن هو المالك الحقيقي؟ وهل كانت نسبة الـ47% المنسوبة إلى المستثمر المصري موجودة فعلاً في السجل القانوني أم أنها كانت ترتيباً استثمارياً خارج هيكل الملكية المسجل؟ ولماذا ظهرت روايات متناقضة حول طبيعة الاتفاق؟ هذه ليست أسئلة هامشية، هذه هي قلب القصة.
مبارك أردول ليس مجرد رجل عادي ظهر في صفقة تجارية، فقد شغل في السابق منصب المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، ولذلك فإن وجوده في إدارة شركة تدخل قطاع الذهب يطرح سؤالاً مشروعاً حول تضارب المصالح المحتمل، حتى لو لم يكن ذلك في حد ذاته دليلاً على مخالفة قانونية. والأهم أن أردول نفسه نفى بعض ما أثير حول الشركة، وقال إن “ديب ميتالز” شركة سودانية مملوكة للنمير والجارحي، وأنها كانت في مرحلة استكمال الإجراءات ولم تبدأ نشاطها بعد، وأن رأس المال الاستثماري المعلن يبلغ 277.3 مليون دولار.
إذن لدينا روايتان: رواية إعلامية تقول شيئاً عن الملكية والتسجيل، ورواية الشركة تقول شيئاً آخر. وبين الروايتين توجد سجلات الشركات، والعقود، وتحويلات رأس المال، وملفات الامتيازات التعدينية، وهذه هي الوثائق التي يجب أن تتحدث.
ثم مات النمير… بعد نحو عام من انفجار ذلك الجدل، توفي عمر النمير في القاهرة. المعلومة المنشورة حتى الآن تقول إنه كان قد خضع لعملية جراحية وأن وفاته جاءت بعدها بأيام في أعقاب العملية، مع اختلاف التفاصيل بين التقارير. ولكن هناك أسئلة مشروعة: أين التقرير الطبي؟ وما طبيعة العملية؟ وما سبب الوفاة المباشر؟ وهل أُجري تشريح؟ ومن كان برفقته في أيامه الأخيرة؟ وهل كانت هناك أدوية أو مضاعفات غير متوقعة؟ وهل طلبت الأسرة أو السلطات المصرية تحقيقاً طبياً أو جنائياً؟ وهل كانت هناك خلافات مالية أو قانونية قائمة قبل الوفاة؟ هذه الأسئلة لا تعني اتهام أحد، إنها الحد الأدنى لأي تحقيق جاد إذا ظهرت قرائن تستدعي الشك.
القضية الحقيقية بالنسبة لي ليست جثة عمر النمير وحدها، بل شبكة المصالح المحيطة بها. لذلك يجب تتبع: السجل الكامل لشركة “ديب ميتالز” والمستفيدين الحقيقيين من ملكيتها، مصادر الـ277.3 مليون دولار المعلنة وعقود امتياز الذهب والمواقع التي حصلت عليها الشركة، وما هي علاقة الشركة بالمصري محمد الجارحي ومن هو الجارحي هذا ومدى علاقته بمخابرات السيسي، وعلاقة الشركة بمبارك أردول، وأي شركات أخرى مرتبطة بالنمير والتحويلات المصرفية ورؤوس الأموال المعلنة، والأصول التي امتلكها النمير داخل السودان وخارجه، وعلاقات النمير الاقتصادية خلال فترة حكم الإسلاميين وظروف صعوده الاقتصادي قبل وبعد سقوط نظام البشير، والاتصالات وما هي الأحداث التي سبقت دخول النمير لرئاسة نادي المريخ، وما طبيعة علاقة النمير بالوسط الإعلامي الرياضي، وكل ما يتعلق بالأيام الأخيرة من حياته في القاهرة.
إلا أن سؤالي المهم: ربما لا تكون قصة عمر النمير قصة رجل أعمال مات في القاهرة، ولكنها نافذة صغيرة على قصة أكبر: كيف تُصنع الطبقة الاقتصادية الجديدة في السودان؟ ومن الذي يمتلك رأس المال؟ ومن الذي يمنح الامتياز؟ ومن الذي يملك العلاقات؟ ومن الذي يدخل الرياضة؟ ومن الذي ينتقل من التجارة إلى التعدين؟ ومن الذي يصبح، خلال سنوات قليلة، جزءاً من شبكة تتقاطع فيها الرياضة والسياسة والذهب ورأس المال الإقليمي؟
لهذا فإن وفاة النمير لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لتوزيع الاتهامات، كما لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لمسح الأسئلة. نعم الرجل مات، لكن الملفات التي كانت حوله لم تمت. والسؤال الحقيقي الآن ليس: هل قُتل عمر النمير؟ بل: من كان عمر النمير في منظومة المال السوداني؟ وكيف وصل إليها؟ ومن كان شركاؤه الحقيقيون؟ وماذا كان يحدث داخل “ديب ميتالز”؟ ولماذا ظهرت تناقضات في روايات ملكيتها ورأس مالها؟ وهل كانت صفقة الذهب مجرد استثمار تجاري أم جزءاً من إعادة تشكيل السيطرة على أحد أهم موارد السودان؟
هذه الأسئلة يمكن أن تقودنا، إذا فُتحت الوثائق، إلى الحقيقة حول موت الرئيس السابق لنادي المريخ.
#السودان #الهدف #آراء_الهدف #السياسة_السودانية #اقتصاد_السودان

Leave a Reply