ليس الوداع، في بعض الأحيان، سوى طريقة أخرى للاحتفاء بالحضور. فثمّة أشخاص لا يغادرون الأمكنة حين يغادرونها، لأنهم يتركون فيها شيئًا من أرواحهم، ومن أصواتهم، ومن الأيام التي تقاسمت معهم دفء الصداقة وجلال الإبداع. وكان وداع الشاعر الكبير محمد نجيب محمد علي في القاهرة واحدًا من تلك الوداعات التي بدا فيها الرحيل أقل حضورًا من البقاء.
في ليلة الأحد 30 أغسطس، احتشد الشعراء والفنانون والكتاب والمثقفون وأصدقاء محمد نجيب في مركز فيجن للتدريب والتنمية المستدامة بالجيزة، لا ليقولوا للشاعر «مع السلامة» فحسب، وإنما ليقولوا له إن ما زرعه في وجدانهم لن تحمله حقائب السفر إلى محطة أخرى، ولن تقتلع جذوره المسافات.
كانت ليلةً من ليالي الوفاء النادرة؛ خاليةً من الرسميات، عامرةً بالمحبة، تتقاطع فيها الكلمات مع الشعر، والذكريات مع الأغنيات، وتتحول فيها قاعة الوداع إلى مساحة واسعة من الاعتراف بقيمة رجلٍ ظل الشعر بالنسبة إليه أكثر من موهبة؛ كان موقفًا من الحياة، وانحيازًا للإنسان، ومحاولةً دائمة للقبض على الجمال وهو يتشكل وسط الخ.راب.
محمد نجيب شاعر لا يستقيم الحديث عن تجربته باستدعاء التصنيفات المألوفة. ففي تجربته يلتقي الشعر الفصيح بالعامي، ويلتقي الحس الجمالي بالهم العام، وتتجاور قصيدة الحب مع قصيدة الوطن، وتجد أصوات البسطاء والمنسيين مكانها بين السطور. ولعل فرادة تجربته تكمن في أنه لم يتعامل مع الشعر بوصفه برجًا عاجيًا، بل بوصفه نافذةً مفتوحة على الناس، وعلى أحلامهم المؤجلة، وأوجاعهم، وتطلعهم إلى حياة أكثر عدلًا وجمالًا.
وللغناء في تجربة نجيب مقام آخر. فقد عبرت قصائده إلى أصوات الفنانين، وظلت لغته الغنائية محتفظةً بقدرتها على صناعة الصورة والدهشة، وعلى تحويل الحنين إلى موسيقى، والحزن إلى أغنية، والحلم إلى وعد. ومن هنا لم يكن غريبًا أن يجد تقديرًا من الوسط الفني، وأن يُختار لسكرتارية اتحاد شعراء الغناء.
في أمسية الوداع، تحدث أصدقاء ومحبو الشاعر، وشارك الشعراء محمد الحاج، وصلاح يوسف، ومنى الرشيد، وحاتم الكناني، ومحمد جميل، فيما قدمت الفنانة منى عبد الرحيم قراءة من نصوصه. وغنى أزرق ضوء البيت، وأنس وردي، وفدوى فريد، لتكتمل صورة ليلةٍ كان فيها الشعر والغناء وجهين لمحبة واحدة.
ثم قرأ محمد نجيب شعره في ختام الأمسية، وكأنما أراد أن يترك صوته هو آخر ما يبقى في المكان.
وها هو يغادر القاهرة إلى المملكة العربية السعودية، حاملاً معه تجربته وذاكرته وقصيدته، تاركًا خلفه أصدقاء يعرفون أن المسافات لا تهزم الشعر، وأن المدن لا تملك حق مصادرة الذاكرة.
في المملكة، تنتظر نجيب أمسيات جديدة، وقرّاء جدد، وأصدقاء جدد. أما نحن، فنقول له: اذهب حيث شئت؛ فالقصيدة لا وطن واحد لها، والشاعر الذي حمل وطنه في قلبه لا يغادره أبدًا. مع السلامة يا محمد نجيب..
ولعل أجمل ما في الوداع أن نعرف، قبل أن نلوّح بأيدينا، أن بعض الذين نودعهم سيظلون معنا؛ في الذاكرة، وفي الأغنية، وفي القصيدة، وفي ذلك الوطن الذي لا يزال يسكننا رغم كل شيء.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_نجيب #أدب #شعراء_السودان #ثقافة #شعر_سوداني #القاهرة #السعودية #أمسية_وفاء

Leave a Reply