استطلاع: د. سلمى نائل
من السودان إلى المغرب، ومن مصر إلى اليمن وموريتانيا، تتعدد صور الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف، وتختلف العادات والطقوس باختلاف الأمكنة والذاكرة الشعبية، غير أن وراء هذا التنوع سؤالاً واحداً يطلّ من قلب المناسبة: ماذا بقي من معنى المولد في حياتنا اليوم؟
في زمن تتكاثر فيه الحروب، وتتسع فيه دوائر الكراهية والانقسام، يبدو استحضار سيرة النبي ﷺ أعمق من مناسبة للاحتفال بذكرى الميلاد؛ إذ يعيد إلى الواجهة قيماً تبدو المجتمعات العربية في أمسّ الحاجة إليها: الرحمة، والعدل، والصدق، والتواضع، والتسامح، وصون كرامة الإنسان.
ومن هذا السؤال خرجنا إلى أصوات عربية مختلفة، نسأل أصحابها عن صورة النبي ﷺ في وجدانهم، وعن المعاني التي يمكن أن يعيدها المولد إلى حياتنا، لا بوصفه موسماً للاحتفال فحسب، وإنما فرصة لاستعادة ما فقدناه من إنسانيتنا.
“حين تسود الرحمة، تصبح الدماء والبيوت والأوطان أمانة”
من حضرموت، تأتي بلقيس عمر وهي تحمل في حديثها وجع اليمن الذي أنهكته الحرب، لكنها ترى في المولد النبوي نافذة يمكن أن يدخل منها شيء من الضوء إلى واقع مثقل بالدماء والانقسام.
بالنسبة إليها، لا يتوقف معنى المولد عند استعادة ذكرى ميلاد النبي ﷺ، وإنما يبدأ من القيم التي جاء بها إلى العالم؛ الرحمة والعدل وحفظ كرامة الإنسان. وهي قيم، في نظرها، لا تبدو اليوم ترفاً أخلاقياً، بل حاجة ملحة في مجتمع أكلت الحرب من روحه وأمنه ونسيجه الاجتماعي.
وترى أن اليمن أحوج ما يكون إلى أخلاق النبي ﷺ في التعامل مع الآخر؛ إلى الرحمة بالضعفاء، والعفو عند المقدرة، والتخلي عن منطق الكراهية والانتقام. فالمولد، كما تتصوره، لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء الاحتفال، بل يبدأ بعده، حين تتحول السيرة من كلمات تُتلى إلى سلوك يُعاش.
وتتوقف عند معنى بالغ الإنسانية: أن اختلاف الناس في المذهب أو الانتماء أو الموقف السياسي لا ينبغي أن يحولهم إلى أعداء، وأن الإنسان يظل إنساناً قبل أن يكون صاحب موقف أو هوية.
ومن هنا تأتي عبارتها الأكثر كثافة: «حين تسود الرحمة، تصبح الدماء والبيوت والأوطان أمانة، لا ساحات لتصفية الخلافات».
كأنها تختصر مأساة اليمن كلها في هذه المسافة بين وطن يُصان بوصفه أمانة، ووطن يُستهلك في صراعات لا تنتهي.
“النور لا يُقاس بالمظاهر.. وإنما بما يتركه في الإنسان”
ومن المغرب، تأتي لولة شريف إلى المولد من باب آخر؛ باب النور الذي لا يكتفي بأن يضيء الذاكرة، وإنما يفترض أن يضيء السلوك أيضاً.
تستحضر في سيرة النبي ﷺ معاني الرحمة والصدق والتواضع وحسن المعاملة، وترى أن أعظم ما في هذه السيرة ليس فقط ما تقوله للناس، وإنما ما تستطيع أن تفعله فيهم؛ أن تجمع القلوب حين تتفرق، وأن ترد الإنسان إلى إنسانيته حين تضغط عليه أسباب الخصومة والانقسام.
ولهذا فإن قيمة المولد، في نظرها، لا تُقاس بكثرة مظاهره، ولا بامتداد الاحتفال في المكان والزمان، وإنما بما يتركه من أثر في أخلاق الناس وعلاقاتهم.
إنه، بالنسبة إليها، موعد مع مراجعة الذات؛ لحظة يسأل فيها الإنسان نفسه عمّا إذا كان يحتفل بسيرة النبي ﷺ أم يقتدي بها، وهل يستعيد ذكر الرحمة في الكلام بينما يمارس القسوة في حياته، وهل يرفع اسم التسامح في المناسبة بينما يضيق صدره بالآخر المختلف.
وتقول، في جوهر رؤيتها، إن النور الذي جاء به النبي ﷺ لا يكتمل أثره فينا إلا حين يتحول إلى فعل يومي؛ في طريقة حديثنا، وفي اختلافنا، وفي علاقتنا بالضعيف، وفي قدرتنا على جمع ما تفرق من القلوب.
يتجاوز الزينة إلى الإنسان
من اليمن إلى المغرب، تتبدل اللهجات والطقوس والملامح، لكن المعنى يظل متقارباً بصورة لافتة.
هنا، المولد هو الرحمة حين تصبح موقفاً من الحرب. وهناك، هو النور حين يتحول إلى أخلاق.
وفي الحالتين، لا يعود السؤال: كيف نحتفل؟ بل يصبح ماذا يبقى فينا بعد أن ينتهي الاحتفال؟
فالسيرة النبوية، كما تظهر في حديث السيدتين، ليست ماضياً محفوظاً في الكتب، وإنما مشروعاً أخلاقياً قابلاً للاستعادة في الحاضر. الرحمة ليست فضيلة مجردة، بل موقف من الدم والضعف والحرب. والتسامح ليس كلمة احتفالية، بل قدرة على الاعتراف بالآخر. وحفظ الكرامة ليس شعاراً، بل ميزاناً تُقاس به علاقتنا بالإنسان.
ولعل أجمل ما في المولد، في هذه الرؤية، أنه يعيد الإنسان إلى السؤال الذي يسبق كل الطقوس:
هل نحب النبي ﷺ بما نقوله عنه، أم بما نتركه من أثر في الناس ونحن نحاول أن نكون أقرب إلى أخلاقه؟
في عالم عربي أرهقته الحروب والانقسامات، ربما لا يكون احتياجنا إلى المولد في كثرة ما نضيء من مصابيح، بقدر حاجتنا إلى أن نُبقي شيئاً من نوره في قلوبنا؛ رحمةً لا تنحاز إلى القسوة، وعدلاً لا يستثني أحداً، وصدقاً لا يخشى الحقيقة، وإنسانيةً تعرف أن اختلاف البشر لا يسقط عنهم حقهم في الكرامة.
وهنا، ربما، يستعيد المولد معناه الأول والأبقى: أن نحتفل بالنبي ﷺ بأن نصير، ما استطعنا، أكثر رحمةً بالإنسان.

Leave a Reply