محمد الأمين أبوزيد
أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي جمهوراً لم يكن متاحة بسهولة في الماضي.
فالشاعر يستطيع نشر قصيدته مباشرة، والفنان يعرض عمله لجمهور واسع، والباحث يستطيع مشاركة دراسته… إلخ.
لكن المشكلة عندما يصبح معيار نجاح العمل الثقافي هو حجم التفاعل معه وليس قيمته الثقافية أو الفنية.
قد يحظى خبر سياسي أو مقطع مثير أو محتوى ركيك بالآلاف المشاركات خلال ساعات، بينما لا يحظى مقال أدبي أو قراءة في ديوان شعري إلا بتفاعل محدود.
الجمهور يمنح وقته لما يثير اهتمامه بصورة فورية، والمنصة تدفع بالمحتوى الذي يحقق تفاعلاً أكبر.
الح.رب في السودان كان لها أثر بالغ ونقطة تحول كبرى في المجال الثقافي، فقد تضررت المؤسسات الثقافية، وتشتت المثقفون والفنانون، وضعفت العديد من الأنشطة، وأصبح جزء كبير من الإنتاج الرقمي موجهًا نحو الح.رب وآثارها في توثيق الذاكرة السودانية والحياة اليومية أثناء الح.رب.
السؤال: لماذا يتراجع المحتوى الثقافي الجاد؟
يمكن تصنيف الإجابة عن السؤال بخمسة مستويات:
(1) مستوى تقني: الخوارزميات تفضل المحتوى الذي يجذب الانتباه بسرعة، مما يجعل الصورة والفيديو القصير أكثر قدرة على الانتشار من المقال الطويل.
(2) مستوى اقتصادي: صاحب المحتوى أصبح يبحث عن المشاهدات والإعلانات والمتابعين، ولذلك قد يتجه إلى ما يحقق مردوداً سريعاً بدلاً من الاستثمار في مشروع ثقافي طويل الأمد.
(3) مستوى تعليمي: متعلق بضعف القراءة والبحث والتكوين النقدي.
(4) ضعف المستوى المؤسسي: يجعل الإنتاج الثقافي مشتتاً بين صفحات وحسابات فردية.
يقدم المشهد السوداني مفارقة مهمة: كلما ازدادت القدرة على النشر، لم تزد بالضرورة القدرة على إنتاج الثقافة.
التكنولوجيا توفر الأداة، لكنها لا توفر المعرفة والموهبة والمنهج.
إن أزمة المنتوج الثقافي ليست أزمة وسائل نشر، بقدر ما هي أزمة إنتاج وتكوين وذائقة ومؤسسات.
(5) الح.رب والنزوح والأزمة الاقتصادية والاستقطاب السياسي وآثاره في شيوع خطاب الكراهية والتقسيم الاجتماعي أدت إلى تغيير أولويات الجمهور.
كيف تكمن المعالجة؟
أولاً: إنشاء منصات ثقافية سودانية متخصصة تجمع الأدب والفن والتاريخ والتراث.
ثانياً: دعم صناديق المحتوى الثقافي، وتقديم منح إنتاج الأفلام الوثائقية والبودكاست والمواد الأدبية.
ثالثاً: إعادة تقديم الثقافة بطريقة تناسب العصر ولغة رقمية جديدة لتقديم الأفكار العميقة.
رابعاً: استعادة دور الجامعات لتصبح مصدراً للمحتوى الثقافي الرقمي.
خامساً: بناء ثقافة رقمية جديدة تنتقل من (أعجبني) إلى (لماذا أعجبني؟).
إن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تصبح واحدة من أهم أدوات إعادة بناء الثقافة السودانية بعد الح.رب، وتصبح المنصات ليست مجرد ذاكرة لاستهلاك الثقافة، وإنما ذاكرة رقمية للسودان.
تراجع المنتوج الثقافي في وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني أن الثقافة السودانية فقدت قدرتها على الإبداع، وإنما يعني أن قواعد إنتاج الثقافة وتلقيها قد تغيرت.
التحدي الحقيقي أمام المثقف السوداني اليوم ليس فقط أن ينتج عملاً جيداً، بل أن يستطيع إدخاله إلى البيئة الرقمية دون أن يفقد قيمته وعمقه، حينها تتحول وسائل التواصل الاجتماعي من عامل يساهم في تسطيح الثقافة إلى وسيلة فعالة في إحياء الثقافة السودانية.
#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #ثقافة #موشورات_رقمية #السودان #وسائل_التواصل

Leave a Reply