إحسان الله عثمان
قراءة جمالية..
يعد النقاب في الفلسفات الشرقية والموروث الثقافي رمزا للستر والخصوصية، حيث ينظر إليه كوسيلة لحفظ الجمال الداخلي والخارجي عن الأعين غير المستحقة، ونقل التركيز من الجسد والشكل الظاهري إلى جوهر الشخصية وعقلها وقيمها الأخلاقية.
فلسفة الستر والحضور
بعيداً عن الجدل الديني أو المجتمعي المعتاد؛ يحمل النقاب طابعاً جمالياً وتأملياً متعدد المعاني. هناك في عتمة القماش يغطي ليضيء، ويخفي ليثير، ويحجب ليمنح “سحر العيون” وحدها السلطة المطلقة.
مساحة مفتوحة تتجلّى فيها فلسفة الغموض؛ تصبح النظرة رسالة، والخفاء يحمل من أسرار الحضور أكثر عمقاً من الغياب. حضور محاط بهالة من التوق والاحتمال والجمال غير المعلن، يراوغ ويراكم رغبة الاكتشاف وجاذبية الأثر.
ويبقى النقاب موضوعاً مفتوحاً لكل من يراه قصة، ولكل من ترتديه رسالة؛ تقرأه الأعين كل بطريقته، ويكتبه الستر بأبجدية الغموض. وما بين الحجب والكشف تنبثق جمالية موحية لا تستهلك بسرعة ولا تختزل، بل تظل سرّاً معلقاً بين التأمل والافتتان، بين جمالية الغموض وسحر الحضور.
في الثقافات التي ترتدي فيها النساء النقاب، لم يكن غياباً بقدر ما كان حضوراً داخلياً.. حضوراً للجمال المتخيل وللرغبة المؤجلة وللكصوص التي تبدأ من نظرة عين؛ شهود في كثير من قصائد الشعراء والروائع والقصص، إذ كيف يمكن للثقافات والموروث الشعبي أن تجمل الغموض بسحر القوافي، وتصبح العيون مركز التواصل البصري ودعوة للخيال البشري ليبدع في رسم صورة الجمال المثالي المطلق.
علم النفس والجماليات
في علم النفس، يُعرف هذا بـ (مبدأ الندرة) الذي ينص على أن ما هو نادر أو غير متاح يصبح أكثر جاذبية وقيمة في عيون ونفس الناظر. إضافة إلى ذلك، فإن (تأثير زيغارنيك) يشير إلى أن الأمور غير المكتملة أو المبهمة تبقى عالقة في الذهن أكثر من الأمور المكتملة، وهو مفهوم نفسي اكتشفته عالمة النفس السوفيتية بلوما زيغارنيك في عشرينيات القرن العشرين، وينص على أن الأشخاص يتذكرون المهام والمعلومات غير المكتملة أو غير المحسوسة بشكل أفضل من تلك المكتملة.
حضور النقاب والعيون في القصيدة العربية ثنائية جمالية وفنية عميقة؛ يتحول النقاب من غطاء مادي إلى عنصر إثارة وإيحاء تبرز من خلفه “سلطة العيون” لتكون الناطق الأقوى باسم المشاعر والفتنة، وتتسع دلالاتها بين جماليات الحجب والتجلي.
في قصيدة الشاعر العربي الكويتي طلال السعيد، تجاوز الوصف الحسي المباشر للمحاسن إلى التخييل وبناء الصورة المجازية بين الحجب والتجلي وإشراقة سلطة العيون بديلاً عن الكلام بما فيها من الحذر والبريق وسحر القدرة والسطوة:
يا سعد لو تشوفه شيب ماني بشايب
لابسات البراقع يا سعد شيَّبني
ولعنّي بهواهن لين ذقت المصايب
خلوا دموع عيني فوق خدي سكايب
لين شفت البريقع طير العقل مني
قمت من غير ما اشعر بعالي الصوت اغنّي
ومن خزرني بعينه اونس القلب ذايب
عقب فرقا الحبايب ابعدن واتركنّي
هذا المبدأ يفسر لماذا تتحول العيون إلى مركز جذب يستحوذ على الاهتمام في الشعر والأدب، بل ويضفي عليه الخيال جمالاً قد يتجاوز الواقع، كما في قصيدة الشاعر السوداني المرهف عبيد عبد الرحمن:
العيون الفيهن نعاس
هن أساس معنى الجناس
هن يثيرن في الناس حماس
هن يقودو الزول للجنون
العيون البيض لو صفن
يجرحنك ويتلاطفن
مرة نظرن لي اوقفن
شالن نوم عيني وما انصفن
العيون السود كاحلات
في دلالن متهاملات
يجرحنك ما سائلات
يتركنك متجاهلات
يا حلاتن..
أبوظبي – أغسطس 2026
#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #مقالات #أدب_ونقد #جماليات_النقاب #سحر_العيون

Leave a Reply