طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
في الحـ.ـروب الممتدة، لا تكمن مشكلة الوساطة دائماً في غياب الوسطاء، وإنما قد تكمن في كثرتهم. فحين تتعدد المنابر الدولية والإقليمية، وتتباين أجنداتها، وتتوزع أدوارها دون تنسيق واضح، قد يتحول تعدد الجهود من مصدر قوة للسلام إلى مصدر لإضعاف الضغط على أطراف الحـ.ـرب. ومن هنا تأتي أهمية الموقف الذي تطرحه وثيقة (عملية السلام التي نريد). القضية ليست رفض الوساطة الخارجية، وإنما إعادة تنظيمها بحيث تصبح أداة مساندة للحل السوداني، لا بديلاً عنه. فالسؤال الذي تطرحه الوثيقة ليس: هل يحتاج السودان إلى وساطة خارجية؟ وإنما: كيف يمكن أن تتوحد الوساطة دون أن تفقد العملية السياسية ملكيتها السودانية؟
هذا الوعي المزدوج هو ما يطبع موقف القوى المناهضة للحـ.ـرب، كما تعبر عنه وثيقة أديس أبابا، من المبادرات الدولية والإقليمية. فالوثيقة لا ترفض الوساطة الدولية، بل تضع شروطاً واضحة لنجاحها، وتؤكد على ضرورة توحيد الجهود الدولية، وتمسك بمبدأ (الملكية السودانية للحلول). وفي جوهر هذا الموقف تعود الوثيقة إلى الشعب السوداني نفسه؛ فمرجعية السلام، في نظرها، لا تُستمد فقط من توافق الوسطاء، وإنما من تطلعات الشعب والجماهير وإرادتهما في إنهاء الحـ.ـرب وصناعة مستقبل البلاد. ومن هنا يصبح السؤال إلى أي مدى تعيد الوساطة للشعب حقه في قيادة عملية السلام وصناعة مستقبل دولته؟
تعتبر الوثيقة أن (خارطة طريق الرباعية الصادرة في 12 سبتمبر 2025 تمثل المرجعية الأفضل لعملية السلام في السودان). وكما تشير الى أنه (يجب أن تنطلق مبادرة الآلية الخماسية من حيث انتهت مبادرة الآلية الرباعية لا أن تقفز فوقها). وهذا التقييم ليس مجرد تفضيل عابر، ولعل أهم ما يفسر موقف الوثيقة من خارطة طريق الرباعية أنها رأت فيها، قبل أي اعتبار آخر، استجابةً لتطلعات الشعب السوداني والجماهير التي أنهكتها الحـ.ـرب. فالمرجعية هنا لا تستمد أهميتها من كونها مبادرة دولية فحسب؛ وإنما من مدى اقترابها من الإرادة الشعبية ومن حق السودانيين في استعادة زمام المبادرة بشأن دولتهم ومستقبلهم. بل يستند إلى سمات محددة تميز خارطة طريق الرباعية:
– أنها جاءت استجابة لتطلعات الشعب السوداني.
– أنها وضعت وقف الحـ.ـرب كأولوية قصوى.
– أنها حددت جدولاً زمنياً واضحاً يحول دون تحوّل العملية إلى مسار مفتوح بلا أفق.
– أنها تحدثت بوضوح لا لبس فيه عن مستقبل مدني للسودان، لا تهيمن عليه قوة السـ.ـلاح، ولا تعود من خلاله قوى النظام البائد.
ولهذا فإن الالتقاء مع الرباعية، وفق هذا المنظور، لا يعني تسليم القرار للوسيط الدولي، بل يعني البحث عن مسار دولي أكثر اقتراباً من تطلعات الشعب والجماهير، وأكثر قدرة على إعادة قيادة العملية السياسية إلى السودانيين أنفسهم.
وبحسب تقدير القوى الموقعة على الوثيقة، فإن هذه السمات تجعل خارطة طريق الرباعية المرجعية الأكثر اتساقاً مع تصورها لعملية السلام، لا لأنها تلغي الحاجة إلى الوساطة، وإنما لأنها ـ في نظر الوثيقة ـ تضع وقف الحـ.ـرب في المقدمة، وتمنع تحول العملية إلى مسار مفتوح، وتؤكد الطابع المدني لمستقبل السودان.
كما تتعامل الوثيقة مع الآلية الخماسية بإيجابية نقدية. فهي (تقدر المجهودات التي تقوم بها)، لكنها في الوقت نفسه تنقل إليها ملاحظاتها بشأن المشاورات ومبادئ العملية السياسية التي تراها ضرورية لأي مسار تفاوضي جاد:
– أن تكون الملكية السودانية للقرار كاملةً في تحديد المشاركين والأجندة والتوقيت. فالملكية السودانية للحل لا تعني فقط أن يكون الحوار سودانياً في شكله، وإنما أن يشعر الشعب والجماهير بأن إرادتهم هي المرجعية الفعلية للعملية، وأن الوساطة الدولية تساعد السودانيين على استعادة قرارهم، لا أن تحل محلهم في تقرير مستقبلهم.
– أن تسبق أي اجتماع تشاورات منظمة تبني الثقة والفهم المشترك.
– أن تُبنى العملية على مسارات متكاملة ومتزامنة تربط بين وقف الحـ.ـرب
ومعالجة الكارثة الإنسانية والوصول لحل سياسي سلمي تفاوضي.
– أن تستثني العملية أي دور للمؤتمر الوطني وحركته الإسلامية وواجهاتهما.
وبهذا المعنى، فإن موقف الوثيقة من الخماسية ليس رفضاً للوساطة الدولية، وإنما مطالبة بأن تكون الوساطة في خدمة الإرادة الشعبية، وأن يكون الشعب السوداني صاحب الحق الأول في تحديد شكل السلام ومضمونه ومآلاته.
وتؤكد الوثيقة، مع تمسكها بهذه المبادئ، استعدادها (للتعاطي الإيجابي البنّاء مع الخماسية)، إيماناً منها بأن جهودها (متى بُنيت على هذه الأسس، يمكن أن تساعد في إحلال السلام العادل والمستدام في بلادنا).
غير أن الحديث عن الوساطات الدولية يظل نظرياً ما لم نواجه التحديات التي تعترض نجاحها. فالوساطات الدولية في السودان، سواء كانت الرباعية أو الخماسية، تواجه عقبات جسيمة تتمثل في: تضارب مصالح الدول الراعية، حيث لكل دولة أجندتها الخاصة في السودان، وعدم التزام الأطراف المتحاربة بتنفيذ ما تتفق عليه، كما حدث مع اتفاقية جدة (مايو 2023) التي لم تُنفذ، وغياب آليات رقابية فعالة تضمن تنفيذ الاتفاقات، وتداخل المصالح الإقليمية التي تجعل من السودان ساحة للتنافس الدولي. ولذلك، فإن نجاح أي وساطة يتطلب، إلى جانب وضوح الرؤية، إرادة سياسية حقيقية من الأطراف المتحاربة، وضغوطاً دولية موحدة، وآليات تنفيذ ومراقبة قوية.
واللافت هنا أن موقف الوثيقة من الخماسية ليس موقف رفض، وإنما موقف إعادة توجيه. فالخماسية، في تصور الموقعين، لا ينبغي أن تبدأ من الصفر، ولا أن تتعامل مع جهود الوساطة السابقة باعتبارها صفحات مطوية؛ بل ينبغي أن (تنطلق من حيث انتهت مبادرة الآلية الرباعية). وهذه النقطة تكشف أن القضية بالنسبة إلى القوى الموقعة ليست كثرة المبادرات بقدر ما هي تراكمها واتصال بعضها ببعض. فالوساطة الناجحة لا تبدأ كل مرة من نقطة الصفر، وإنما تبني على ما تحقق، وتصحح ما تعثر، وتمنع تعدد المسارات من تحويل السلام إلى سلسلة من البدايات المؤجلة.
لكن وحدة الوساطة لا تعني بالضرورة توسيع دائرة المشاركة بلا معايير. وهنا يطرح الحوار تحذيراً مهماً مما يسميه (الإغراق)، أي أن تتحول العملية السياسية إلى مساحة تُستدعى إليها القوى والواجهات المرتبطة بالحرب بصورة تجعل الوصول إلى موقف واضح أمراً أكثر صعوبة. ومن هذا المنظور، فإن السؤال ليس فقط: من يجلس إلى طاولة السلام؟ وإنما أيضاً: ما طبيعة دوره؟ وهل تساعد مشاركته على إنهاء الحـ.ـرب أم تعيد إنتاج القوى التي أطالتها؟ وهذه النقطة تفسر تشديد الوثيقة على استبعاد المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية وواجهاتهما من العملية، كما تفسر في الوقت نفسه استعداد الموقعين للتعاطي الإيجابي مع الخماسية متى بُنيت العملية على أسس واضحة للملكية السودانية والثقة وتكامل المسارات.
وهنا تبلغ الوثيقة أكثر مواقفها وضوحاً، حيث أشارت الى إن المشكلة ليست في تعدد الدول الراغبة في مساعدة السودان، وإنما في تعدد المنابر التي قد تتحول، إذا غاب التنسيق، إلى مسارات متوازية ومتنافسة. فالوثيقة لا تطالب بإلغاء الرباعية أو الخماسية أو الترويكا، وإنما تطالب بوضعها داخل إطار واحد، تتكامل فيه الأدوار وتتسق فيه الأهداف. وتشير الوثيقة الى إن (نجاح أي جهد دولي أو إقليمي… مرهون بوحدة المنبر التفاوضي ووحدة الوساطة). والغاية من وحدة المنبر، في هذا السياق، ليست فقط تنسيق جهود الوسطاء، وإنما حماية إرادة الشعب السوداني من التشتت بين مبادرات ومسارات متعددة. فكلما تعددت المنابر وتناقضت أجنداتها، ازداد احتمال أن تتحول إرادة الجماهير إلى أصوات متفرقة داخل غرف التفاوض، بدلاً من أن تكون مرجعية واضحة للعملية السياسية. وهذا فرق جوهري بين (تعدد الجهود)، و(تعدد المسارات). فالأول يمكن أن يكون مصدر قوة إذا جرى تنسيقه، أما الثاني فقد يمنح أطراف الحـ.ـرب فرصة للانتقال من منبر إلى آخر، واختيار ما يناسبها من مقترحات، وإضعاف الضغط الجماعي المطلوب لإنهاء القـ.ـتال.
ومن هنا يمكن فهم عبارة الوثيقة بأن توحيد الجهود هو الكفيل بإنتاج تسوية متماسكة وقابلة للتنفيذ، فالوساطة ليست مسابقة بين الوسطاء، والسلام ليس مجالاً لتعدد الرؤى المتنافسة، وإنما هو عملية تحتاج إلى مركز ثقل تفاوضي واضح، وأدوار محددة، ورسالة دولية متسقة.
فالوثيقة تدرك أن تعدد المسارات الدولية دون تنسيق هو أحد أخطر التحديات التي تواجه السلام في السودان. فهذا التعدد (يُضعف الضغط الجماعي المطلوب لوقف الحـ.ـرب، ويفتح الباب أمام تلاعب قوى الحـ.ـرب بتناقضات الوسطاء). وفي المقابل، (توحيد الجهود هو وحده الكفيل بإنتاج تسوية متماسكة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع). ولا يمكن للوساطات الدولية أن تنجح بمعزل عن الدعم المادي والسياسي للمجتمع الدولي. فالوساطات تحتاج إلى تمويل لعملها، وإلى ضغوط دولية على الأطراف المتحاربة، وإلى آليات مراقبة وتنفيذ. لكن هذا الدعم يجب أن يكون مشروطاً باحترام (الملكية السودانية للحلول)، وألا يتحول إلى وصاية أو تدخل في الشؤون الداخلية. فالوساطة الناجحة ليست التي تتحدث نيابة عن الشعب، وإنما التي تفتح الطريق أمام الشعب لكي يتحدث عن نفسه، ويختار ممثليه، ويقرر شكل دولته ومستقبلها.
المعادلة التي تطرحها الوثيقة ليست (خارج أم داخل)، وإنما (من يقود ومن يساند؟). فالسودان لا يستطيع في ظل حجم الكارثة الإنسانية وتعقيد الحـ.ـرب أن يستغني عن الدعم الإقليمي والدولي، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يستبدل إرادته الوطنية بإرادة الوسطاء. لذلك تصبح المسألة مسألة أدوار: السودانيون يملكون الحل، والوسطاء يساعدون على إنضاجه، والمجتمع الدولي يملك أدوات الضغط والضمان والتنفيذ.
وليس غريباً أن تعتبر الوثيقة خارطة طريق الرباعية المرجعية الأفضل، وتستدعي هذه الرؤية، بطبيعة الحال، دروس تجارب الوساطة السابقة، وفي مقدمتها إعلان جدة في مايو 2023، الذي لم ينجح في وقف الحـ.ـرب بصورة مستدامة. ومن ثم تبرز أهمية الانتقال من مجرد إعلان المبادئ إلى بناء آليات واضحة للمتابعة والتنفيذ والضغط على الأطراف عند الإخلال بالتزاماتها. وجهود الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الإيقاد) تعثرت بسبب تضارب المصالح بين الدول الراعية، وغياب الإرادة السياسية. وخارطة طريق الرباعية، من خلال تحديدها جدولاً زمنياً واضحاً، وتركيزها على مستقبل مدني للسودان، تحاول تجاوز هذه الأخطاء، وتقديم إطار أكثر قابلية للتنفيذ.
في نهاية المطاف، لا تقدم وثيقة (عملية السلام التي نريد)، رفضاً للوساطة الخارجية بقدر ما تقدم تعريفاً جديداً لدورها. فالوسيط، في الرؤية التي تطرحها القوى الموقعة، ليس صاحب السودان الذي يأتي بحل جاهز، وليس طرفاً إضافياً في صـ.ـراع المنابر، وإنما هو أداة لمساعدة السودانيين على الوصول إلى حل يملكونه هم، وتتكامل حوله الجهود الإقليمية والدولية. ومن هنا تصبح وحدة الوساطة أكثر من تنسيق دبلوماسي، إنها شرط من شروط قوة السلام نفسه. فإذا تعددت المنابر وتضاربت الرسائل، اتسعت المساحات التي تستطيع قوى الحـ.ـرب أن تناور فيها. أما إذا توحد المنبر، وتكاملت الأدوار، واتسقت الضغوط، وبقي القرار السياسي سودانياً، فإن الوساطة تتحول من ساحة للتنافس إلى قوة لإنهاء الحـ.ـرب. ولعل السؤال الحقيقي الذي تضعه الوثيقة أمام الوسطاء ليس: أي مبادرة ستنجح؟ بل: هل تستطيعون أن تجعلوا مبادراتكم تعمل من أجل سلام سوداني واحد؟ فالسودان لا يحتاج إلى وسيط ينتصر على وسيط، وإنما إلى وساطة تنتصر للسلام.
يتبع لطفاً،،،،،،،

Leave a Reply