طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
لا يكفي أن تصمت المدافع لكي يولد السلام. فقد يكون الصمت هدنة مؤقتة، لكن السلام في المجتمعات الخارجة من الح.روب هو عملية أطول وأعمق: حماية للمدنيين، وفتح للممرات الإنسانية، وخفض للتصعيد، وترتيبات أمنية وسياسية، ووقف دائم لإطلاق النار، ثم معالجة لجذور الأزمة التي جعلت الح.رب ممكنة ومتكررة. ومن هنا تنطلق وثيقة «عملية السلام التي نريد» من فكرة أساسية: أن إنهاء الح.رب لا ينبغي أن يكون نهاية العملية، بل بدايتها الحقيقية.
هذا هو جوهر الرؤية التي تطرحها وثيقة القوى المناهضة للح.رب، الصادرة عن الاجتماع التشاوري الذي عقدته هذه القوى في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس 2026.
وبعد أن خصصت الوثيقة جانباً من موقفها لتفسير رفض دعوة البرهان، تنتقل في قسمها الثاني إلى السؤال الأهم: إذا كان ذلك الحوار لا يمثل، في تقدير الموقعين، عملية سلام حقيقية، فما هي عملية السلام التي يريدونها؟
السلام بمراحله المتعارف عليها:
تستند الوثيقة إلى تصور لعملية سلام بمراحل تقول إنها متعارف عليها دولياً: (وقف عدائيات لأغراض إنسانية، فترتيبات أمنية وسياسية انتقالية، فوقف دائم ومستدام لإطلاق النار، ضمن مسار يُعرف بالتفاوض ويقوم على الندّية، تُشرف عليه وتضمنه مظلة مستقلة ومتفق عليها). واللافت هنا أن الوثيقة لا تجعل وقف إطلاق النار الدائم هو الخطوة الأولى، بل تقترح تدرجاً يبدأ بوقف عدائيات لأغراض إنسانية، ثم ينتقل إلى ترتيبات أمنية وسياسية انتقالية، وصولاً إلى وقف دائم ومستدام لإطلاق النار، ضمن تفاوض ندّي تشرف عليه مظلة مستقلة ومتفق عليها. وهذا التدرج يعكس تصوراً للسلام باعتباره عملية بناء ثقة وترتيب انتقال، لا مجرد إعلان لوقف القتال.
وهذا الإطار ليس مجرد شكليات إجرائية، بل هو ضمانة ضد تسييس السلام، وتحويله إلى أداة في يد طرف على حساب آخر. فهو يضمن أن تكون عملية السلام شاملة، وتشاركية، وخاضعة لرقابة مستقلة، وقادرة على معالجة جذور الأزمة، لا أعراضها فقط.
ثلاث مسارات لا ثلاث ملفات: لا تقترح الوثيقة ثلاث مسارات منفصلة، وإنما ثلاثة وجوه لعملية واحدة. فالمسار الإنساني يحمي الإنسان من آثار الح.رب، ومسار وقف إطلاق النار يوقف آلة العنف، والمسار السياسي يبحث في الأسباب التي جعلت الح.رب تتكرر.
المسار الأول هو المسار الإنساني: حماية المدنيين، وفتح الطريق أمام الغوث، وتهيئة شروط عودة المهجرين. والمسار الثاني هو وقف إطلاق النار: هدنة إنسانية شاملة وفورية تمهد لوقف دائم ينهي دوامة الق.تل. أما المسار الثالث فهو السياسي: حوار سوداني-سوداني صريح وشفاف يعالج جذور الح.روب ويبحث عن حلول مستدامة.
والقيمة الفكرية لهذه الصيغة أنها ترفض ترتيباً شائعاً يجعل الإنسان ينتظر السلام حتى يحصل على المساعدة، أو يجعل السياسة تسبق وقف النار، أو يجعل وقف النار غاية نهائية. فالوثيقة، في تصورها، تربط بين حماية الإنسان ووقف العنف وصناعة الحل السياسي في عملية واحدة متزامنة.
لكن الوثيقة تذهب خطوة أبعد من رسم المسارات، فتربط انطلاق العملية بتهيئة المناخ الذي يجعل السلام ممكناً. ولذلك تتحدث عن فتح ممرات المساعدات الإنسانية، وإقرار هدنة فورية، ووقف الانت.هاكات، وإطلاق المعتقلين، وضمان حرية الحركة، وتهيئة شروط عودة النازحين واللاجئين، ومعالجة أزمات الصحة والتعليم، وإلغاء القيود على الحريات والعمل المدني والسياسي.
ويلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في تنفيذ هذه المسارات، لا سيما في المسار الإنساني (توزيع المساعدات، وحماية المدنيين)، والمسار السياسي (تعزيز ثقافة السلام). فالمجتمع المدني، بأطرافه المختلفة (النقابات، منظمات المرأة، الشباب، المثقفين)، هو الجسر بين المواطن والدولة، وهو الضمانة لاستمرارية السلام بعد توقيع الاتفاقات. ولذلك، يجب أن يكون للمجتمع المدني دور فاعل في مراقبة تنفيذ المسارات، وفي التوعية، وفي بناء السلام الأهلي.
لكن، من زاوية عملية، يواجه هذا التصور تحديات كبيرة في التنفيذ، فقد تتداخل المسارات على الأرض، وقد تحاول أطراف الح.رب توظيف المساعدات أو الترتيبات الأمنية ضمن حساباتها السياسية والعسكرية. ولذلك فإن نجاح الصيغة المقترحة لا يعتمد على وضوحها النظري وحده، وإنما على وجود آليات تنفيذ وضمانات ورقابة تمنع تحويل أي مسار إلى أداة لتعطيل المسارات الأخرى.
. كما أن التزام الأطراف بتنفيذ هذه المسارات يظل رهيناً بإرادتها السياسية، وبالضغوط الإقليمية والدولية التي قد تعزز أو تعرقل هذا الالتزام. ولذلك، فإن نجاح هذه الرؤية يتطلب، إلى جانب وضوحها المنهجي، آليات رقابية قوية، وضمانات دولية، وإرادة وطنية لا تلين.
وهنا تطرح الوثيقة معادلة دقيقة، تتمثل في إن الحاجة إلى الدعم الخارجي لا تعني نقل ملكية العملية إلى الخارج. فالدور الإقليمي والدولي يمكن أن يوفر التيسير والضمانات والضغط اللازم لتنفيذ الالتزامات، لكن القرار المتعلق بأجندة السلام ومشاركيه وتوقيته ومخرجاته ينبغي، وفق منطق الوثيقة، أن يبقى سودانياً.
من هم شركاء السلام؟: وتحدد الوثيقة أطراف عملية السلام بطريقة تعكس الواقع السوداني المعروف، لا المصطنع. فهي تشمل ثلاث توجهات رئيسية:
1. القوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها.
2. القوى المصطفة مع القوات المسلحة.
3. القوى المصطفة مع قوات الدعم السريع.
على أن تقتصر مشاركة القوات المسلحة وقوات الدعم السريع على مسار وقف إطلاق النار والمسار الإنساني، دون الخوض في المسار السياسي، (وهو شأن مدني بامتياز).
ويعكس هذا التوزيع، في قراءة الوثيقة، رغبة في الفصل بين الدور العسكري في إنهاء الق.تال والدور المدني في صياغة مستقبل الحكم، إذ تقصر مشاركة القوات المسلحة والدعم السريع على المسار الإنساني ومسار وقف إطلاق النار، بينما تجعل المسار السياسي شأناً مدنياً بامتياز، مع ما أورده النص من استثناء يتعلق بما يخص الأطراف العسكرية وما يتفق عليه.
وتستبعد الوثيقة المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية وواجهاتهما من عملية السلام، باعتبارها جزءاً من القوى التي تحملها الوثيقة مسؤولية عن الحرب واستمرارها. وهنا تتحول مسألة (من يشارك؟)، من إجراء تنظيمي إلى سؤال حول حدود المشاركة السياسية في عملية يفترض أن تنهي ح.رباً وترتب لمرحلة جديدة.
السلام لا يوزع المناصب، بل يعيد تعريف الدولة: ولا تقف أجندة العملية عند وقف إطلاق النار، وإنما تفتح الباب أمام الأسئلة التي ظل السودان يؤجلها لعقود: من يحكم؟ وما طبيعة العلاقة بين الدين والدولة؟ وكيف تُبنى المواطنة المتساوية؟ وكيف يُفكك تمكين النظام السابق؟ وما شكل الجيش الوطني الموحد والمهني؟ وكيف تتحقق العدالة وينتهي الإفلات من العقاب؟ ثم تمتد الأجندة إلى ما بعد السياسة المباشرة: حقوق النازحين واللاجئين والأرض، وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وإعادة بناء التعليم والصحة والخدمات، ثم أسئلة الفترة الانتقالية والدستور والنظام الانتخابي، ومشاركة النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في صناعة القرار. وبذلك لا تقدم الوثيقة السلام باعتباره صفقة بين المتحاربين، وإنما باعتباره لحظة لإعادة فتح الأسئلة المؤجلة حول الدولة والمجتمع والحقوق والسلطة. وهذه القضايا، مجتمعة، تشكل أجندة وطنية شاملة، تضع الأسس لبناء دولة جديدة، وتتجاوز منطق التسويات الهشة التي توزع المناصب دون معالجة الجذور.
وتبقى مسألة الزمن إحدى النقاط التي تحتاج إلى مزيد من التفصيل في تصور العملية، فالوثيقة ترسم مراحلها ومساراتها ومخرجاتها، لكنها لا تضع داخل قسم رؤيتها لعملية السلام جدولاً زمنياً تفصيلياً لكل مرحلة. وفي المقابل، تشير لاحقاً إلى خارطة طريق الرباعية لعام 2025 بوصفها مرجعية تتضمن جدولاً زمنياً واضحاً. ومن هنا تبرز الحاجة، في أي تطبيق عملي للرؤية، إلى تحويل المراحل العامة إلى جداول زمنية ومؤشرات قابلة للقياس، حتى لا تتحول عملية السلام إلى مسار مفتوح بلا نهاية.
وهنا تصل الوثيقة إلى النقطة التي تجعل من عملية السلام أكثر من مجرد تفاوض، وهي المخرجات. فهي لا تكتفي باتفاق يوقف القتال، وإنما تتحدث عن إعلان مبادئ لإنهاء الح.رب، واتفاق سلام نهائي شامل، ودستور انتقالي، وتحديد هياكل ومستويات ومدة وبرنامج المرحلة الانتقالية، وآلية لاختيار السلطة المدنية الانتقالية. وهذا التسلسل يكشف الفكرة العميقة التي تحكم الوثيقة: الحرب لا تنتهي فقط عندما يتوقف إطلاق النار، بل تنتهي عندما يصبح هناك نظام سياسي قادر على إدارة الاختلاف دون العودة إلى السلاح.
ولهذا جاءت المسارات الثلاثة متزامنة: إنسان يُحمى، وبندقية تُسكت، ودولة تُعاد صياغة علاقتها بمواطنيها. أما المشاركة، فلا تكون مجرد حشد للأسماء، وإنما تمثيلاً متوازناً للقوى السودانية وللنساء والشباب والمجتمع والنازحين واللاجئين وسودانيي المهجر. وأما الأجندة، فلا تتوقف عند وقف القتال، بل تمتد إلى الحكم والدستور والعدالة والمواطنة والجيش والاقتصاد والخدمات.
ومن هنا فإن السؤال الذي تطرحه الوثيقة ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟ وإنما: ماذا نريد أن يحدث بعد أن تتوقف؟ فإذا كان وقف إطلاق النار يوقف الموت، فإن عملية السلام هي التي ينبغي أن تمنع عودة الموت من جديد. وإذا كان الاتفاق ينهي جولة من الق.تال، فإن بناء الشرعية والمؤسسات والعدالة هو الذي يحول دون تحول السلام إلى هدنة مؤجلة الانفجار.
تلك هي الفكرة الأعمق في (عملية السلام التي نريد)، في أن يكون السلام انتقالاً من منطق الغلبة إلى منطق التوافق، ومن حكم القوة إلى شرعية المؤسسات، ومن إدارة الح.رب إلى معالجة أسبابها. فالسلام الذي يستحقه السودان ليس مجرد نهاية للمعركة، بل بداية لطريقة أخرى في إدارة الوطن.
يتبع لطفاً،،،،،،،،

Leave a Reply