ثورة سبتمبر التي لم تنتهِ: بعد ثلاثة عشر عامًا، ماذا بقي من دم الذين خرجوا إلى الشوارع؟

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي
في سبتمبر 2013، لم يخرج السودانيون إلى الشوارع لأن الوقود أصبح أغلى فحسب. كانت زيادة أسعار المحروقات هي الشرارة، لكنها لم تكن الحريق. كان تحت الرماد وطن كامل يختنق، واقتصاد ينهار، وسلطة طال بها المقام حتى خُيّل إليها أن الخوف أصبح جزءًا من طبيعة السودانيين.
ثم جاء سبتمبر، وقال الشارع شيئًا آخر.
ومن ود مدني انطلقت الشرارة الأبرز لثورة سبتمبر 2013، قبل أن تلتقطها الخرطوم وأم درمان وبحري ومدن السودان الأخرى. وفي أيام قليلة، تجاوزت الهتافات رفض زيادة الأسعار إلى السؤال الذي كانت السلطة تخشاه: لماذا يبقى النظام أصلًا؟
ولم يكن جواب السلطة سياسيًا.
كان الرصاص.
سقط عشرات ثم مئات، واختلفت الأرقام، كما تختلف الأرقام دائمًا حين يصبح الموت قضية سياسية. لكن خلف كل رقم كان هناك اسم، وخلف كل اسم بيت انتظر صاحبه فلم يعد، وأم ودعت ابنها صباحًا ولم تكن تعلم أنها قد تستقبله في المساء خبرًا أو جثمانًا.
وهنا تكمن مأساة سبتمبر، وعظمتها أيضًا.
فالثورات لا تبدأ دائمًا حين تنتصر، ولا تنتهي دائمًا حين تخلو الشوارع.
قد تُهزم المظاهرة، ويُعتقل قادتها، وتُمحى شعاراتها عن الجدران، وتعلن السلطة أنها استعادت الأمن، بينما تكون، في مكان أعمق، قد فقدت شيئًا لا تستطيع استعادته: هيبة الخوف.
وهذا، في تقديري، ما حدث في سبتمبر 2013.
بعد خمسة أعوام، عاد السودانيون إلى الشوارع في ديسمبر 2018. كانت الأسباب المباشرة مختلفة في تفاصيلها، لكنها متشابهة في جوهرها: ضائقة معيشية، وانسداد سياسي، ودولة أنهكتها عقود الاستبداد، وأجيال لم تعد ترى في استمرار النظام قدرًا لا يمكن تغييره.
لكن ديسمبر لم تبدأ من الصفر.
كانت وراءها سنوات طويلة من المقاومة، وكانت ثورة سبتمبر إحدى أكثر صفحاتها دموية ووضوحًا. ففي سبتمبر عرف جيل كامل أن النظام يمكن أن يُواجَه في الشارع، وعرف أيضًا الثمن الذي يمكن أن يدفعه من يفعل ذلك.
ولذلك، عندما دوّى بعد سنوات هتاف “تسقط بس”، لم يكن الصوت وليد لحظته وحدها. كانت تسكنه أصوات كثيرة سبقته، بعضها لم يعد أصحابها أحياء ليسمعوا صداه.
وفي 11 أبريل 2019 سقط عمر البشير.
كان المشهد يومها مغريًا بالاعتقاد أن الطريق الطويل قد وصل أخيرًا إلى نهايته، وأن دماء سبتمبر، وما سبقها وما تلاها من مقاومة، قد وجدت طريقها إلى الدولة التي حلم بها السودانيون.
لكن التاريخ لم يكن بهذه الرحمة.
نجحت ثورة ديسمبر في إسقاط رأس النظام، لكنها ورثت دولة أثقلتها ثلاثة عقود من الاستبداد والح.روب، ومؤسسات أضعفتها سياسات التمكين، واقتصادًا مأزومًا، وواقعًا أمنيًا شديد التعقيد. وكان الانتقال نفسه محكومًا بشراكة قلقة بين المدنيين والعسكريين، في ظل تعدد مراكز القوة والسلاح.
كانت تلك، منذ البداية، أرضًا شديدة الوعورة لأي تجربة انتقال ديمقراطي.
ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021، وبعده حرب 15 أبريل 2023، فانفتح على السودان باب ربما لم يتخيل شهداء سبتمبر، وهم يواجهون الرصاص في الشوارع، أن بلادهم ستصل إليه بعد عشر سنوات.
وهنا تصبح ذكرى سبتمبر أكثر من مناسبة لاستعادة أسماء الشهداء والصور القديمة.
تصبح سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا مؤلمًا:
كيف انتقلنا من شباب يخرجون مطالبين بوطن أفضل، إلى وطن يبحث ملايين من أهله عن مجرد مكان آمن يعيشون فيه؟
كيف انتهت أحلام الحرية والسلام والعدالة إلى ح.رب أصبح فيها بقاء الدولة نفسها موضع سؤال؟
وأين أخطأنا؟
من السهل، بعد كل كارثة، أن نختصر التاريخ في سبب واحد أو طرف واحد. لكن ما جرى في السودان كان أكثر تعقيدًا. فقد واجه الانتقال الديمقراطي منذ بدايته إرثًا ثقيلًا لدولة الإنقاذ، ومؤسسات أضعفتها عقود الاستبداد، وقوى عسكرية ومسلحة احتفظت بالسلاح والنفوذ ومفاتيح مهمة من السلطة، في وقت كانت فيه القوى المدنية تحاول إدارة انتقال بالغ الهشاشة في ظروف اقتصادية وسياسية شديدة الصعوبة.
ولا ينبغي، عند مراجعة تلك التجربة، أن تختلط المسؤوليات أو تتساوى.
فأخطاء الممارسة السياسية، مهما بلغت، شيء، وتقويض الانتقال بالقوة والانقلاب عليه شيء آخر. وليس في نقد التجربة المدنية ما يبرر انقلابًا، أو يمنح شرعية لحرب، أو يعفي من حملوا السلاح في وجه المسار المدني من مسؤولياتهم.
ومع ذلك، تبقى المراجعة ضرورية، لا لإدانة التجربة، بل للتعلم منها. ماذا كان يمكن أن نفعل بصورة أفضل؟ كيف كان يمكن حماية الانتقال ومؤسساته؟ وكيف كان يمكن توسيع قاعدته المدنية، وإدارة خلافاته، وتسريع بناء دولة تحتكر وحدها السلاح والقرار السيادي؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من ثورة ديسمبر ولا من تضحياتها، بل تحاول أن تكون وفية لها. فالوفاء للثورات لا يكون فقط بالدفاع عن ذاكرتها، وإنما أيضًا بالتعلم من تجربتها، حتى لا تتكرر الأخطاء، ولا يجد المتربصون بالديمقراطية ثغرة أخرى ينفذون منها.
بعد ثلاثة عشر عامًا، يطل سؤال أكثر قسوة:
ماذا بقي من سبتمبر؟
هل مات أولئك الشباب من أجل وطن انتهى إلى الح.رب؟
لا أظن أن الإجابة يمكن أن تكون بهذه البساطة.
فالذين خرجوا في سبتمبر لم يقدموا لنا ضمانًا بأن السودان سينتصر، ولم يوقعوا معنا عقدًا بأن الطريق سيكون مستقيمًا من الشارع إلى الديمقراطية. لقد فعلوا شيئًا أبسط وأعظم:
رفضوا أن يقبلوا الظلم باعتباره قدرًا.
وهذه قيمة لا تلغيها هزيمة سياسية، ولا انقلاب، ولا حتى ح.رب.
لكن الوفاء لهم لا يكون بالصور والمراثي وحدها.
الوفاء الحقيقي يبدأ حين نسأل لماذا استطاع السودان، مرة بعد مرة، أن ينتج أجيالًا قادرة على إسقاط الطغاة، ولم يستطع بالقدر نفسه أن يبني دولة قادرة على منع عودتهم؟
لماذا ننجح في لحظة الثورة، ثم نتعثر في اليوم التالي لها؟
ولماذا ظل السلاح، في كل منعطف تقريبًا، أقدر على فرض إرادته من السياسة؟
هذه ليست أسئلة سبتمبر وحدها. إنها أسئلة أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وسبتمبر 2013، وديسمبر 2018. أسئلة وطن ظل بارعًا في الثورة على الاستبداد، وأقل نجاحًا في بناء المؤسسات التي تجعل الثورة عليه غير ضرورية مرة أخرى.
وربما يكون أخطر ما يمكن أن نفعله بشهداء سبتمبر أن نحولهم إلى ذكرى سنوية.
صورة، وقائمة أسماء، وبعض الكلمات الحزينة، ثم نمضي.
فالذاكرة التي لا تسأل تتحول إلى مرثية، والذاكرة السياسية ليست أرشيفًا للموتى، وإنما مسؤولية تقع على الأحياء.
وإذا كان لثورة سبتمبر أن تقول لنا شيئًا بعد ثلاثة عشر عامًا، فربما تقول إن إسقاط الاستبداد، على عظمته، ليس سوى بداية الطريق، وإن الثورة التي لا تتحول إلى دولة تحمي قيمها تظل معرضة لأن يأكلها السلاح، أو الانقسام، أو أن يعود القديم من أبواب لم نحسن إغلاقها.
السودان اليوم ليس هو السودان الذي خرج فيه شباب سبتمبر.
الح.رب بددت مدنًا، وشردت الملايين، وكسرت في المجتمع أشياء قد تحتاج أجيالًا لترميمها. ومع ذلك، فإن سؤال سبتمبر لم يمت:
أي دولة نريد؟
دولة يكون فيها السلاح طريقًا إلى السلطة، أم دولة تكون فيها السلطة الشرعية وحدها صاحبة الحق في السلاح؟
دولة يتغير فيها الحكام وتبقى قواعد الاستبداد، أم دولة تصبح فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص؟
دولة ننتظر فيها الثورة التالية، أم دولة لا يحتاج أبناؤها إلى ثورة كل بضعة عقود كي يطالبوا بحقوق يفترض أن تكون أصلًا من أصول المواطنة؟
ربما أُخمدت ثورة سبتمبر في شوارعها بالرصاص، لكنها لم تنتهِ.
فالثورات لا تعيش فقط بما حققته، بل بما تتركه من أسئلة في ضمير الشعوب.
وبعد ثلاثة عشر عامًا، بين سبتمبر التي سال فيها دم الشباب، وديسمبر التي أسقطت رأس النظام، والحرب التي تكاد تلتهم الوطن، يبقى سؤال واحد، ثقيلًا ككل هذا التاريخ:
هل تعلمنا كيف نسقط الطغاة، ولم نتعلم بعد كيف نبني الدولة؟
ربما يكون الوفاء الحقيقي لش.هداء سبتمبر أن نملك الشجاعة للإجابة.
حتى لا يأتي جيل آخر، بعد سنوات، ليقف في الشارع نفسه، أمام الرصاص نفسه، مطالبًا بالدولة نفسها التي مات من أجلها من سبقوه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.