بقلم : ود أحمد
إنه التنظيم السياسي الذي يعبده أنصاره في السودان استطاع أن يقدم واحدة من أكثر المفارقات إثارة للسخرية السوداء:… جماعة تتحدث طويلاً عن الإسلام، ثم تتعامل مع الإنسان كما لو أنه تفصيل مزعج في طريقها إلى السلطة.
لم تكن المشكلة، في جوهرها، أن هؤلاء رفعوا شعار الدين.
المشكلة أنهم حاولوا تحويل الشعار إلى شيك أخلاقي على بياض:
كلما ارتكبوا فعلاً سياسياً قاسياً، وجدوا له اسماً أكثر أناقة؛ وكلما ضُبطت يدهم في جيب الدولة، قالوا «مشروعاً حضارياً»؛ وكلما سُحقت حرية، اكتشفوا فجأة أن الحرية مؤامرة؛ وكلما طالب شخص بحقه، صار «عميلاً» أو «طابوراً خامساً» أو عدواً للمشروع.
وهكذا لم يعد السؤال عندهم: هل ما نفعل حرام أو ظلم؟
بل أصبح السؤال الأكثر عملية: هل يقربنا ما نفعله من السلطة ويجعلنا متمنين فيها؟
وهنا تبدأ قصة الانسلاخ الأخلاقي.قصة فالترق كل الدماء ليعود للتنظيم مجده..
الترابي: حين تحولت السياسة إلى مختبر للوسيلة والغاية
لا يمكن فهم تجربة الإسلاميين في السودان من دون التوقف عند حسن الترابي،أصل كل البلاء ليس باعتباره الرجل الوحيد الذي صنع كل شيء، فهذا تبسيط للتاريخ، وإنما باعتباره أحد أصل الفكر والتنظيم الذي انتهى إلى انقلاب 1989 وبناء نظام الإنقاذ.وإن كان سبقه تلاقح ثم تزواج من دكتاتورية مايو تلك البيئة التي يترعرع فيها التنظيم ويستقوى..
كان الترابي سياسياً شديد المكر، وهذه بالضبط إحدى مشكلات التجربة: المكر السياسي حين ينفصل عن القيود الأخلاقية يستطيع أن يصبح آلة بارعة لإنتاج الكوارث.لا كارثة أكبر مما نعيشه اليوم كسودانيين
في التجربة الترابية، برزت السياسة بوصفها فناً لإدارة التناقضات والمراحل والمصالح، لا مجرد التزام أخلاقي ثابت. وحين تصبح السلطة هي الجائزة النهائية، يمكن أن تتحول المبادئ إلى أدوات تفاوض، والتحالفات إلى جسور مؤقتة، والخصوم إلى أعداء وجوديين، والحقيقة إلى مادة قابلة لإعادة التغليف.
وهنا يصبح الكذب السياسي أكثر خطورة من الكذب العادي.
الكذاب العادي يحاول إخفاء كذبته.
أما الكذب حين يصبح جزءاً من استراتيجية سياسية، فيمكن أن يحصل على اسم محترم: تكتيك.
والخديعة تصبح: فقه مرحلة.
والتراجع عن المبدأ يصبح: مرونة سياسية.
والاستيلاء على السلطة يصبح: إنقاذاً للدولة.
أما المواطن الذي يرفض كل ذلك، فغالباً ما يحصل على لقب مجاني من قاموس المشروع: عميل، شيوعي، علماني، متمرد، خائن، أو أي كلمة تؤدي الغرض.
وهكذا تتعلم المنظومة أن المشكلة ليست في الفعل، وإنما في قدرتها على تسمية الفعل

Leave a Reply