حينَ مَهَّدَ الشِّعرُ لِلُّغةِ الوحي

صحيفة الهدف

لغةٌ صنعتها القصيدةُ، وخلَّدها القرآن
المعلَّقاتُ: الطريقُ إلى فهمِ العربيَّةِ والقرآن
فوزي يوسف الحلاق
كاتب من فلسطين

ما أكثرَ ما يُقالُ اليوم: لِماذا نعودُ إلى الشِّعرِ الجاهليِّ، وقد مضت عليه قرونٌ طويلة، وتبدَّلت الأحوال، وتغيَّرت الأمم؟ غير أنَّ هذا السؤالَ سرعان ما يذوبُ إذا أدركنا أنَّ الأممَ لا تعرفُ حاضرَها إلا إذا عرفت جذورَها، ولا تُحسنُ قراءةَ مستقبلها حتى تُحسنَ قراءةَ تاريخها. والشِّعرُ الجاهليُّ ليس أوراقًا صفراءَ في كتابٍ قديم، ولا أصواتًا خامدةً طواها الزمان، بل هو نبضُ أمَّةٍ وهي تُكوِّنُ شخصيَّتَها، وصوتُ لغةٍ وهي ترتقي إلى ذروةِ نضجها، وسجلٌّ حيٌّ حفظ للعرب وجوهَ حياتهم قبل أن يشرق نورُ الإسلام.
ولذلك لم يكن عجيبًا أن يُسمَّى الشِّعرُ الجاهليُّ ديوانَ العرب؛ ففيه حُفظت لغتُهم، وسُجِّلت أخبارُهم، ورُويت أيَّامُهم، وصُوِّرت عاداتُهم، وتجلَّت أخلاقُهم، حتى غدا مرجعًا لا غنى عنه لكلِّ من أراد أن يفهم العربيَّةَ في صفائها الأول.
لقد كانت الجزيرةُ العربيَّةُ قبل الإسلام تضمُّ قبائلَ كثيرةً، ولكلِّ قبيلةٍ لونٌ من ألوان اللهجة، يختلف في بعض الأصوات والألفاظ والتراكيب، ولكنَّ الشِّعرَ صنع ما تعجز عنه السيوف. فقد اجتمع الشعراءُ في أسواق العرب الكبرى، كسوق عكاظ ومجنة وذي المجاز، يتبارون في البيان، وينشدون قصائدَهم أمام قبائلَ جاءت من أطراف الجزيرة، فلم يكن الشاعرُ ينظم بلهجةٍ محليَّةٍ ضيِّقة، بل كان ينتقي أفصح الألفاظ، وأشيع الأساليب، وأوضح التراكيب، حتى يفهمه الجميع، ويبلغ صوته كلَّ أذن.
ومن هنا أخذت تتكوَّن لغةٌ أدبيَّةٌ مشتركة، تجاوزت حدود القبائل، واقتربت باللهجات بعضها من بعض، حتى أصبحت العربيَّةُ الفصحى لسانًا يجمع العرب على اختلاف ديارهم. ولم يكن ذلك توحيدًا كاملًا للهجات، ولكنه كان تقاربًا عظيمًا هيَّأ النفوس والعقول لاستقبال الخطاب الإلهيِّ فيما بعد.
وحين بزغ فجرُ الإسلام، ونزل القرآنُ الكريم، لم يكن العرب يسمعون لغةً غريبةً عن أسماعهم، بل لغةً بلغت القمَّةَ التي كانوا يعرفونها في البيان، ثم جاوزتها إلى ما عجزت عنه قدرتُهم، فأدركوا أنَّهم أمام كلامٍ ليس من كلام البشر. وهكذا كان الشِّعرُ الجاهليُّ، من حيث لا يشعر أصحابُه، قد مهَّد الأرضَ اللغويَّةَ لاستقبال القرآن، وهيَّأ الذائقةَ العربيَّةَ لتتلقَّى معجزةً بيانيَّةً لا نظير لها.
ولذلك كان علماءُ التفسير واللغة والنحو يعودون إلى الشِّعر الجاهليِّ كلما أشكل عليهم لفظٌ من القرآن أو تركيبٌ من تراكيبه؛ لأنَّ القرآن نزل بلغة العرب، والشِّعر هو أوثقُ شاهدٍ على تلك اللغة. ومن هنا جاءت الكلمةُ الخالدةُ لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «إذا خفي عليكم شيءٌ من القرآن فالتمسوه في الشِّعر، فإنَّه ديوانُ العرب.»
ولم يكن الشِّعرُ الجاهليُّ منفصلًا عن الحياة، بل كان ابنَ بيئتِه الصادق. فإذا قرأناه رأينا الصحراءَ تمتدُّ بين أبياته، وسمعنا صفيرَ الرياح، ولمعانَ البروق، وهديرَ السيول، وشاهدنا القوافلَ تشقُّ الفيافي، والإبلَ تحمل الأثقال، والخيلَ تعدو في ساحات الوغى. ورأينا الطللَ يقف شاهدًا على حياة الترحال، ورأينا النجومَ دليلًا للمسافر، والواحاتِ ملاذًا للعطشان. لقد كانت الطبيعةُ شريكةً للشاعر، لا خلفيةً لمشهده فحسب، ولذلك جاء وصفُه نابضًا بالحياة، صادقًا في تصويره، بعيدًا عن التكلُّف.
وكما انعكست الطبيعةُ في شعرهم، انعكست أخلاقُهم أيضًا. فقد تغنَّى الشعراءُ بالشجاعة حتى جعلوها تاجَ الفضائل، ومدحوا الكرمَ حتى صار عنوانَ السيادة، ورفعوا الوفاءَ إلى منزلة الشرف، وأعلوا شأن حماية الجار، ونصرة المظلوم، والصدق في العهد، والصبر عند الشدائد، والعزَّة التي تأنف الضيم. ولم تخلُ تلك الحياة من سلبياتٍ فرضتها طبيعة العصر، كالعصبية والثأر، غير أنَّ الإسلام جاء فهذَّب تلك الطباع، وأبقى ما فيها من مكارم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمِّم مكارم الأخلاق.»
وفي هذا التراث تقف المعلَّقات شامخةً كأنها قممُ الجبال في أرض الأدب العربي. فهي ليست قصائدَ طويلةً فحسب، بل مدارسُ كاملةٌ في اللغة والبلاغة، وصورٌ حيَّةٌ للمجتمع العربي، وذروةُ النضج الفني الذي بلغته القصيدة الجاهلية. فيها روعةُ المطلع، وسحرُ الغزل، وصدقُ الحنين، ودقَّةُ الوصف، وعنفوانُ الفخر، وسموُّ الحكمة، حتى أصبحت ميزانًا يُقاس به البيان، ومرجعًا لا يستغني عنه دارسُ اللغة ولا الباحثُ في الأدب.
ولئن شاع في التراث أنَّها كانت تُعلَّق على أستار الكعبة، فإنَّ المحققين من العلماء يرون أنَّ هذا الخبر لا يقوم على دليلٍ تاريخيٍّ قاطع، غير أنَّ مكانتها الأدبية الرفيعة لا تحتاج إلى أن تُعلَّق على جدارٍ من حجارة، فقد علَّقتها الأجيالُ في ذاكرة الثقافة العربية، وبقيت حيَّةً في القلوب والعقول، تتناقلها القرون كما تتناقل الجواهر النفيسة.
إنَّ دراسةَ المعلقات والشِّعر الجاهليِّ اليوم ليست حنينًا إلى ماضٍ انقضى، ولا انشغالًا بتاريخٍ بعيد، وإنما هي عودةٌ إلى المنبع الذي استقت منه العربيةُ صفاءَها، وإلى المدرسة التي تعلَّمت فيها البيانَ قبل نزول القرآن، وإلى السجلِّ الذي حفظ صورةَ الإنسان العربيِّ في أفراحه وأحزانه، في حروبه وسلمه، في حبه وكبريائه، وفي ضعفه وقوته.
ولهذا يبقى الشِّعرُ الجاهليُّ حيًّا ما بقيت العربيَّةُ حيَّةً، وتبقى المعلقاتُ مناراتٍ تهدي دارسَ اللغة، وتثري ذائقةَ الأديب، وتفتح أمام القارئ نافذةً واسعةً يرى منها تاريخَ أمةٍ صنعت بالكلمة حضارةً، ثم جاء القرآن الكريم فارتقى بتلك الكلمة إلى أسمى مراتب الإعجاز، فكانت العربيةُ منذ ذلك اليوم لغةَ البيان الخالد، ولسانَ رسالةٍ أراد الله لها أن تبقى إلى قيام الساعة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.