تشاد… أكثر من بحيرة

صحيفة الهدف

د. حنان الهادي

يقول علماء الإدراك إن الإنسان لا يتذكر كل ما يعرف، بل يحتفظ في ذاكرته بالصورة التي هزته أكثر من غيرها.

في زيارة علمية إلى مقر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) في روما عاصمة إيطاليا، جلست في قاعة عرض حديثة أشبه بدور السينما، أشاهد الفيلم الوثائقي الشهير An Inconvenient Truth (حقيقة مزعجة)، الذي قدّمه نائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل غور، محذرًا العالم من أخطار تغير المناخ.

لا أذكر اليوم معظم الرسوم البيانية التي عرضها الفيلم، ولا الأرقام التي استند إليها، ولا حتى كثيرًا من التفاصيل العلمية. لكنني أتذكر صورة واحدة فقط.

في البداية ظهرت بحيرة هائلة الاتساع، حتى إنها ذكرتني ببحيرة كونستانس الأوروبية التي تتقاسمها ثلاث دول: ألمانيا، والنمسا، وسويسرا. كان المشهد مفعمًا بالحياة؛ مياه زرقاء تمتد إلى الأفق، وخضرة، وبشر يعيشون حولها.

ثم تغير المشهد. المكان نفسه… لكن الماء انحسر ولم تعد تلك البحيرة الهائلة سوى بقع متناثرة من الماء.

كان ذلك أول لقاء لي مع بحيرة تشاد.

مضى أكثر من خمسة عشر عامًا، لكن تلك الصورة لم تغادر ذاكرتي. فكلما سمعت اسم تشاد… حضرت البحيرة قبل أن يحضر الوطن. لكن… وبعد كل هذه السنين، وجدتني أرغب في أن أتعرف إلى تشاد من جديد… لا من خلال البحيرة التي خرجت من قاعات روما، بل من خلال تشاد الدولة؛ الجارة التي تقاسمت مع السودان الجغرافيا، والتاريخ، والقبائل، والأسواق، وحكايات الناس.

نحن في السودان لا نعرف تشاد بوصفها دولة بعيدة. بل نعرفها بوصفها جارة. والجيران لا يعرف بعضهم بعضًا من نشرات الأخبار.

قبل أن تصبح الحدود نقاط عبور وجوازات سفر، كانت طرقًا تسلكها القوافل، تربط أكثر مما تفصل، وكانت تشاد بالنسبة إلى غرب السودان أكثر من دولة مجاورة.

كانت سوقًا… وطريقًا… وامتدادًا طبيعيًا للحياة.

في تلك الأسواق الحدودية لم تكن تُباع السلع وحدها.

كانت تُتبادل الثقافات أيضًا. كانت رائحة البخور تمتزج بالعطور القادمة من عمق إفريقيا، وتجاور الحلي التقليدية المنسوجات والجلود، ويتبادل التجار الصمغ العربي، والحبوب، والماشية، بينما تعبر الكلمات واللهجات والأغنيات الحدود كما تعبرها القوافل.

ولم تكن التجارة وحدها هي التي تسافر. كانت تسافر معها العادات. طقوس الكرم وأهازيج الأفراح وعادات الزواج وحكايات المسافرين.

وكان الناس يعودون إلى ديارهم ببضائع تحملها ظهور الدواب والشاحنات… وبصداقات يحملونها في قلوبهم.

أحيانًا، لا تصنع الجغرافيا حدودًا بين الشعوب… بل تصنع بينها جسورًا.

ولعل أجمل ما صنعه هذا الجوار الطويل، أنه لم يقتصر على تبادل البضائع، بل صنع مجتمعًا تتداخل فيه الحكايات والأنساب.

هناك قبائل يصعب عليها أن تشرح أين ينتهي السودان وأين تبدأ تشاد.

فالزغاوة، والمساليت، والبرقو، والقرعان، والفلاتة، والرزيقات وغيرها من القبائل والمجموعات السكانية، تمتد جذورها على جانبي الحدود، حتى أصبح من المألوف أن تجد أفراد الأسرة الواحدة موزعين بين البلدين، تجمعهم صلة رحم أقوى من الخطوط التي رسمتها الخرائط.

وقد يكون العم في السودان والخال في تشاد… بينما تتقاسم العائلة الأفراح والأتراح، والعادات، واللهجات، وكثيرًا من تفاصيل الحياة اليومية.

لذلك، لا يشعر كثير من أبناء تلك المناطق بأنهم يعبرون من عالم إلى آخر، بل من بيت إلى بيت.

وأجمل ما اكتشفته في رحلتي مع تشاد أنها ليست بحيرة، ولا حدودًا، ولا طرقًا للقوافل فحسب… بل أناس. أناس تعلموا أن يعيشوا في بيئة صعبة، دون أن تصبح القسوة جزءًا من طباعهم.

في القرى والأسواق، ما زالت الضيافة قيمة حاضرة، وتسبق التحية الحديث، ويجد الضيف مكانه الطبيعي بين الناس. وكما في السودان، لا تزال الأسرة، والجيرة، واحترام الكبار، وروح التكافل، جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية.

تشاد لم تكن بلدًا جديدًا تمامًا، بل بلد جار يشبهنا في أشياء كثيرة، ويختلف عنا في أشياء أخرى، وهذا لا ينقص من قيمة الجوار، بل يمنحه جمال التنوع.

وبينما كنت أكتب هذا المقال، عدت أبحث عن بحيرة تشاد من جديد. ليس لأتأكد مما رأيته في الفيلم… بل لأكمل الصورة التي حملتها معي من قاعات روما في إيطاليا؛ فعرفت أن البحيرة، التي كانت في ستينيات القرن الماضي تغطي نحو خمسة وعشرين ألف كيلومتر مربع، انكمشت بصورة هائلة مع جفاف أجزاء واسعة منها كانت تمتد نحو النيجر ونيجيريا، حتى أصبحت اليوم مسطحات مائية وبركًا متفرقة، تتغير مساحتها مع الفصول، وتتركز مياهها الدائمة بصورة أكبر داخل تشاد والكاميرون. ومع ذلك، فما زالت بحيرة تشاد شريان حياة لأكثر من ثلاثين مليون إنسان في تشاد، والكاميرون، والنيجر، ونيجيريا، يعتمدون عليها في الصيد، والزراعة، والرعي، كما ترتبط بها دورة الحياة والاقتصاد في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا حساسية للتغيرات المناخية.

عندها أدركت أن بحيرة تشاد لم تكن مجرد قصة عن الماء… بل قصة عن الإنسان أيضًا. فعندما تنكمش البحيرة، لا يتراجع الماء وحده… بل تتغير حياة المزارعين، والصيادين، والرعاة، وتتحرك القرى، وتتبدل سبل العيش، وتظهر تحديات جديدة، لا تعرف الحدود بين دولة وأخرى.

أغلقت صفحات البحث… ثم عدت بذاكرتي إلى تلك القاعة في روما، فأدركت أن خلف تلك المياه التي انحسرت، كان هناك وطن، كان هناك شعب، وكان هناك تاريخ طويل من الجوار، والأسواق، والقبائل، والثقافات، والذكريات المشتركة.

ولم تعد تشاد بالنسبة إليّ مجرد بحيرة ولا عنوانًا يتكرر في نشرات الأخبار.

تشاد وطن أعرفه أكثر… وأحترمه أكثر… وأدرك أن معرفتي به لم تكتمل بعد… وأن الحقيقة لا تسكن الصورة الأولى… بل تكتمل كلما اتسعت معرفتنا.

#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #د_حنان_الهادي #تشاد #معركة_الوعي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.