صلاح محمد الحسن القويضي – السودان
السردية القصيرة في الأصل هي بنت الحكاية. خرجت من رحمها، لكنها سلكت درباً مغايراً ولم تعد تشبهها.
كانت الحكاية ذاكرة الناس الشفاهية. تحكي للعظة، وتسير على خط مستقيم: حدث ثم حدث. شخصياتها أقنعة جاهزة: التاجر، اللص، الحكيم. ولغتها مكشوفة تقول ما تريد قوله دون التواء، ونهايتها محسومة بحكمة أو مثل. وظيفتها اجتماعية في المقام الأول: تحفظ القيم، وتثبت الأعراف، وتخوف من الخطأ.
أما (السردية القصيرة) فقد سلكت درباً مغايراً. تخلت عن النقل وأمسكت بالتخييل. غادرت حقل الواقع وحلقت في سماوات الخيال، عبثت بالزمن فقدمت وأخرت وحذفت. ضغطت اللحظة حتى صارت هي كل شيء. واستبدلت اللغة المباشرة بلغة توحي ولا تصرح، وشخصيات لها سر ودواخل، ونهايات مفتوحة تتركك واقفاً أمام السؤال. لم تعد تهدف إلى إعطاء درس، بل إلى إحداث “هزة” في وعي المتلقي.
الكثير من كتابنا المبتدئين يغرقون في بركة الحكاية. يأخذون نواة حكاية ويظنون أنهم كتبوا سردية قصيرة. ويفوتهم أن الفرق بين الحكاية و السردية القصيرة ليس ترفاً نظرياً. إنما هو المدخل لفهم كيف يتحول الحكي الخام، ببساطته وصدقه، إلى سرد فني دسم ينتج معنى.
قالها رولان بارت من قبل: الحكاية مجرد تتابع أحداث. أما السرد فهو صنعة. خطاب يتشكل باللغة والزمن والرؤية.
وفرّق جيرار جينيت بدقة أكبر بين الحكاية كمحتوى، والسرد كطريقة عرض، والحكي كفعل.
وزاد تزفيتان تودوروف أن السردية القصيرة الحديثة لا تعيش على الحوادث، بل على “المفاجأة الدلالية” في النهاية.
أما تشيخوف فقد اختصر المسألة كلها في جملة: “إذا علقت بندقية على الحائط في الفصل الأول، فيجب أن تطلق في الثالث”. أي لا شيء عبثي.
وهذا بالضبط ما يفعله الشيخ فرح في مجموعته القصية (الجهة الأخرى). لا ينقل الحكاية كما هي، بل يأخذ (نواتها الصلبة). يفككها ثم يعيد بناءها بأدوات السرد حتى تعبر إلى الضفة الأخرى، ضفة السرد.
في قصته “الجهة الأخرى”، لا يحكي لنا الشيخ فرح عن ولد سمين قفز عبر ترعة. بل يأخذ الواقعة ويحولها إلى معنى: “إن لكلٍ منّا جهة أخرى يسعى للوصول إليها فهي الفرصة البراقة لحياةٍ ثانيةٍ”. هنا يحدث “القفز” مرتين. قفز جسدي في الماء، وقفز وجودي من حالة إلى أخرى. ويرجع بنا إلى الطفولة بالاسترجاع، فيصبح الوقوع في الماء “دويّاً شديداً” ليس في الترعة فقط، بل في وعي الولد وهو يعبر من الخوف إلى الشجاعة. الترعة لم تعد ماءً، صارت عتبة.
وفي قصة “باسطة النزوح” يضعنا أمام مفارقة أخلاقية قاسية. يبدأ بالرغبة الحسية: “تسيلُ على يديك وتذوبُ في فمك ويفوحُ منها السمن البلدي”. ثم يقطعها الصوت الآخر: “والله الذي لا إله إلا هو أنا وأولادي ما أكلنا منذ يومين”. ويختمها بوخزة لا تُنسى: “وطعم الباسطة بالسمن يغمر فمي”. هنا تنهار الثنائية بين الجوع والشبع، بين الأناني والمتعاطف. لا توجد عظة. هناك سؤال أخلاقي يظل معلقاً في حلق القارئ: من الجاني ومن الضحية؟
وتبلغ الحرفة ذروتها في قصة “المِخرز”. الكلمة تتكرر على لسان “الضو” حتى تصير هاجساً: “إن بيد ابن أخيك مِخرز… كان يلعبُ بالمِخرز”. يحذف الشيخ فرح الزمن ويصنع التوتر، ثم يفاجئنا بالخاتمة: “ابنه قد فقأ عينه اليُسرى بالمِخرز”.
لكن السردية القصيرة لا تقف عند حدود الرعب البوليسي. “الضو” يعيش ما سماه Colin Wilson في الإنسان وقواه الخارقة “استبصاراً”. يرى المشهد من بعيد. من نافذة البص. يحاول أن يتصل فيفشل. يحاول أن ينزل فيمنعونه. يرى الاحتمال الأقوى للمستقبل كأنه واقع، ولا يملك دفعه. فتتحول الحكاية من خبر حادث إلى تجربة وجودية عن قلق المعرفة وعجز الإنسان. المعرفة هنا لعنة، لا نعمة.
وفي قصة “عقرب المويلح” يبني الشيخ فرح حتميته بهدوء. رؤيا تتكرر: “عقرباً أسوداً لدغه في يدهِ”. وتفسير قاطع: “سوف تقرصك عقرب في منطقة المويلح”. فيهرب البطل من المكان، فإذا به يعود إليه دون أن يدري: “أنت بالمويلح”… “من المويلح”. الزمن هنا دائري. والمصير لا مفر منه. اللغة نفسها تشارك في الفخ: تكرار اسم المكان يصير نبوءة تتحقق بنطقها.
وفي قصة “وقوف الدرويش” يصل إلى أقصى درجات الإضمار. لا ماضٍ. لا تفسير. فقط صورة: “يقف دفع الله ساكناً دون حِراكٍ… لا يلتفت لمن يُنادي بإسمه”. وهمسة في النهاية تربط اختفاءه بالفصل: “لم يظهر الدرويش منذ ذلك اليوم وكأنه قد أكمل عقوبته”. فتصبح الوقفة نصاً مفتوحاً عن العدالة والغيب. من الذي يحاكم من؟ وأي عقوبة هذه التي تنتهي بالاختفاء؟
على عكس الحكاية التي تصر على أن تقول كل شيء، فإن النص السردي، ككل نص إبداعي، نص مراوغ كما يقول الناقد علي حرب. يرمي لك بطُعم الإشارة ويمضي، ويترك لك أنت مهمة الغوص والكشف. هذا ما لمسته بوضوح في عوالم الشيخ فرح السردية. فهو لا يسلمك المعنى في طبق، بل يخبئه بين السطور. يترك لك عبء ومتعة الفهم والتأويل. “المِخرز” يتكرر، و “المويلح” يعود، و “الدرويش” يقف، ثم ينسحب ويتركك وحدك مع الأسئلة.
قراءتي المتأنية لنصوص الشيخ فرح، أكدت لي أن السردية القصيرة عنده تبدأ حيث ينتهي الكاتب. هو لا يغلق النص، بل يفتحه على احتمالات. لا يحسم، بل يراوغ. لا يعظ، بل يسأل.
خلاصة الأمر أن السردية القصيرة هي بنت الحكاية، ولكنها سلكت درباً مغايراً.
وفي “الجهة الأخرى” يثبت الشيخ فرح أنه أب ماهر لهذه “البنت”. يربيها بأدوات السرد الحديثة: التكثيف، الإضمار، المفارقة، الزمن الدائري، والرمز. حتى تقف مستقلة، مختلفة، وقادرة على أن تحكي لنا عنا بطريقة لم تحكِها الحكاية من قبل. إنه يعبر بحكاياته فعلاً إلى الجهة الأخرى (ضفة السرد)…
على أمل العودة لبقية قصص المجموعة
—
قائمة المراجع
1. بارت، رولان. مدخل إلى التحليل البنيوي للسرد. ترجمة منذر عياشي. دمشق: وزارة الثقافة، 1987.
2. جينيت، جيرار. خطاب الحكاية. ترجمة سعيد بنكراد. الرباط: المركز الثقافي العربي، 1997.
3. تودوروف، تزفيتان. شعرية النثر. ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة. تونس: دار توبقال، 1987.
4. تشيخوف، أنطون. الرسائل. ترجمة ودراسة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.
5. ويلسون، كولن. الإنسان وقواه الخارقة. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: دار المعارف، 1985.
6. حرب، علي.* _نقد النص. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993.

Leave a Reply