كلمة العدد:  الثقافة والتربية من ركائز الديمقراطية

صحيفة الهدف

الديمقراطية التعددية لا تنجبها صناديق الاقتراع وحدها؛ لأنها صيرورة تعبير عن إرادة الشعب، مصدر السلطة وشرعيتها، وعن تطلعاته، ولا يقوى عودها بمجرد النصوص والقوانين والدستور مع أهمية ذلك. إنها تحتاج إلى تربة خصبة تحتضنها وتنمو فيها حتى تؤتي ثمارها، وتلك هي تربة الثقافة والتربية والتنمية والتداول السلمي.

ثقافة وتربية يؤمنان بحق الآخر في الوجود وحقه في الاختلاف، وبالتنوع وحسن إدارته وبما يعزز الوحدة، وبضرورة الحوار والتعايش واحترام القانون والنتائج.

الثقافة ليست ترفاً ولا نشاطاً نخبوباً، وإنما هي تشكيل للوجدان وتمتين للوعي بمختلف ضروب المعرفة. وهي التي تصنع الإدراك الذي يستطيع المواطن، من خلاله، ممارسة حقوقه كافة بوعي، وبالتفكير النقدي والاختيار الموضوعي والمشاركة الإيجابية والرقابة. وهي التي تجعل من شعارات الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة قيمًا تستحق النضال والتضحية، ومن هنا تصبح الثقافة والتربية بوابة حقيقية للديمقراطية المستدامة.

والثقافة منارة للإبداع ووسيلة للتعبير، وهي لا تزدهر ولا تمتد ظلالها إلا في مناخ حر، يبدع فيه صاحب الرأي بعيداً عن القمع والرقابة المسبقة.

والثقافة الديمقراطية تنهض على التعدد والتعايش، وتحترم الآخر، وتعزز التآخي الوطني، وتواجه خطـ.اب الكراهية والبغضاء والتمييز والتعصب، وتحتفي بالتنوع، فتغدو جسراً للتواصل بين مكونات المجتمع والاندماج الوطني.

والمثقف، بالمعنى الواسع، ليس محايداً، بل هو مبادر وفاعل وشريك في بناء وترسيخ قيم الوحدة والحرية والعدالة والديمقراطية، كمبادئ متجددة وصولاً إلى تنمية شاملة متوازنة في مختلف المجالات، لا في الفنون والمسرح والسينما والإعلام وحدها.

إن الثقافة إحدى ركائز الديمقراطية، وأحد أهم شروطها وحصونها؛ لأنها تهيئ المواطن والمجتمع لممارسة ديمقراطية حقيقية، بعيدة عن الاختزال والتزييف، وواعية، يعرف فيها الإنسان حقوقه وواجباته، ويمارسها ويدافع عنها ومن خلالها يشارك في الشأن العام، كلٌّ بحسب إمكاناته وموقعه.

كما أن ثقافة التسامح والتعايش السلمي لا تترسخ إلا عبر بث المفاهيم الثقافية التي تعزز هذه القيم، حتى تتحول إلى وعي عام راسخ، لا تزعزعه رياح عابرة ولا خطب كاذبة.

وعليه، فإن الثقافة شرط أساسي من شروط الديمقراطية، تسبقها خطوةً، وتظل تحوم حولها لتحميها من الديكتاتورية وكافة أشكال الوصايا، نقيض الثقافة الديمقراطية، التي توظف الأدب والفنون لفرض رؤية واحدة، وتقييد حرية الخطاب الثقافي والسياسي والفكري، وتحويله إلى أداة للدعاية.

والمثقف الحقيقي هو الذي يطرح أفكاراً تصنع مواطناً قادراً على التفكير النقدي، وعلى المشاركة الواعية، ويمتلك من الإيمان بقيم الحرية والديمقراطية ما يجعله قادراً على الدفاع عنها وحمايتها وتطويرها.

حينها تتفتح زهور حديقة الثقافة، وتتعدد ألوانها، ويفوح عبيرها، ليجد الجميع أنفسهم في بستان الديمقراطية.

فـ”لندع مليون زهرة تتفتح في حديقة الديمقراطية” كما قال المناضل الراحل بدر الدين مدثر، شعبنا قادر على التمييز والاختيار ولا وصاية عليه.

#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #الثقافة_والتربية #الديمقراطية #التنوير #المثقف_السوداني #بدر_الدين_مدثر #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.