عبدالمنعم مختار
هنا في بلادنا، لا يلتفت أحد إلى لاعب كرة قدم يسجد بعد تسجيل هدف، إنه مشهد مألوف، يتكرر في الأحياء والمساجد وملاعب الخماسيات والاستادات، حتى أصبح جزءًا من الحياة اليومية. لكن المشهد نفسه، عندما يتكرر في نهائيات كأس العالم أو في أكبر الملاعب الأوروبية، يتحول إلى حدث تتوقف عنده الكاميرات، وتتناوله الصحف، وتتنازع تأويله البرامج والمنصات، ليصبح موضوعًا مطروحًا للنقاش والاستفسار والشرح والتأويل وسط الكثيرين.
ذلك لأن السجود، في الوعي الغربي الحديث، لم يعد مجرد عبادة، بل صار رمزًا ثقافيًا يتجاوز حدود الرياضة ومضاميرها. فهو، في نظر البعض، إعلان عن هوية أخرى مختلفة ترفض الذوبان في الثقافة الاستهلاكية، بينما يراه آخرون تذكيرًا بأن الإنسان، مهما بلغ من الشهرة والنجومية، يبقى خاضعًا لخالقه لا لمجد الجماهير ولا الجهاز الفني أو إدارة الفريق المنضوي تحت شعاره النجم المعني.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يحظى سجود اللاعبين المسلمين في المونديال الأخير باهتمام يفوق أحيانًا الاهتمام بالأهداف نفسها. فالجبهة التي تلامس الأرض لله أصبحت، في نظر كثيرين، رسالة أبلغ من الاحتفال بالكأس، لأنها تختصر منظومة قيم كاملة يحملها أصحابها معهم إلى أكبر مسارح العالم.
ولم تعد الرسائل القادمة من الملاعب تقتصر على السجود وحده. فقد شهدت البطولات الأخيرة مواقف رمزية عبّرت عن حضور الضمير الإنساني إلى جانب المهارة الرياضية. كان من بينها ظهور رموز التضامن مع فلس.طين، ورفع العلم الفل.سطيني في مناسبات رياضية مختلفة، في تأكيد أن اللاعب، مهما بلغ من الاحتراف، لا يفقد انتماءه إلى قضايا العدالة والحرية. كما أثارت بعض المواقف البروتوكولية، ومنها الطريقة التي تعامل بها بعض اللاعبين مع مراسم التتويج والشخصيات السياسية الحاضرة (كمصافحة الرئيس الأمريكي)، نقاشًا واسعًا حول حدود اللياقة، وحق الرياضي في التعبير الرمزي عن قناعاته (أبرزهم لامين يامال النجم الإسباني)، حتى وإن اختلف الناس في تفسير تلك الإشارات.
ولعل أغلبكم يعلم أن أصعب ما واجهه المفكر الأمريكي المسلم جيفري لانغ بعد اعتناقه الإسلام لم يكن قراءة القرآن ولا تعلم الصلاة، بل السجود نفسه؛ لأنه كان يعني، في ثقافته السابقة، التخلي عن مركزية الإنسان. ثم اكتشف لاحقًا بعد أن تعمّق في الإسلام أن السجود ليس إهانة للإنسان، بل تحريرًا له من كل سلطة إلا سلطة الله.
وهنا تكمن المفارقة؛ فبينما يقرأ بعضهم هذه المواقف بوصفها رسائل سياسية أو دينية، يراها أصحابها، في كثير من الأحيان، تعبيرًا طبيعيًا عن الإيمان والهوية والضمير. وبين القراءتين مساحة واسعة من سوء الفهم، وأخرى من الاحترام الذي بدأ يتسع مع الحضور المتزايد للاعبين المسلمين وأبناء الثقافات المتنوعة في ملاعب العالم.
في النهاية، قد ينسى الناس نتيجة مباراة، واسم هداف البطولة وأحسن حارس مرمى وأبرز مدرب، وقد يبهت بريق الكأس نفسه بعد سنوات، لكن جبهةً سجدت لله، أو موقفًا انحاز إلى الحرية والكرامة، قد يبقى في الذاكرة أطول من البطولة نفسها. فالتاريخ لا يحفظ الأهداف وحدها، بل يحفظ أيضًا القيم التي انتصرت وهي تركض خلف الكرة.
#مونديال #فلس.طين #سجود_الشكر #قيم_رياضية #ثقافة_وعروبة

Leave a Reply