سباق الجوع

صحيفة الهدف

الصادق محمد عبدالرحيم

في مطعم صغير. كائن في سوق طرفي من تلك المدينة الكبيرة. ذلك النوع من المطاعم الذي لايقدِّم سوى صنفين من الأطباق، فول غير مصلَّح وفِتَّة بالدَّمعة. دخل رجل تدل هيئته إنه موظَّف وليس مدرس.. بل وفي درجة متدنية من السلم الوظيفي لايكفي راتبه لمواجهة تكاليف المعيشة.. كان ذاك واضحاً من جسده النحيل ولونه الشاحب وقميصه الذي انطمست معالم رسوماته وألوانه بفعل القدم والتعرُّض المستمر لأشِعَّة الشمس. بينما هيئة المدرس أفضل، فهو بدين يرتدي ملابس الأنيقة.. لأن المدرس، إضافه لراتبه الشهري، يجمع أموالا من دروس العصر والدروس الخصوصية وبيع المذكرات التي تحتوي على الأسئلة النموذجية وحلول الإمتحانات السابقة. هذا فضلا عن أولئك المدرسين المحظوظين الذين يتم إختيارهم لمراقبة إمتحانات الشهادة وتصحيح أوراق الإمتحان، وتصرف لهم الحوافز. والشيء الثاني الذي جعلنا نجزم إنه موظف وليس مدرس، إنه كان يثبت على جيب قميصه قلم حبر جاف أزرق فقط، بينما من عادة المدرسين تثبيت قلم حبر جاف أحمر إضافة إلى الأزرق لتصحيح كراسات التلاميذ..
طلب ذاك الموظّف لنفسه فِتَّة بالدَّمعة، وسُرعان ماجاء طلبه، ذلك إنه كان هناك عدد قليل من الزبائن. جلس ذاك الموظّف يأكل.
وخارج المَطعم، في مكان غير بعيد، وقف تلميذان يرتديان الزي المدرسي يراقبان ذاك الموظف من طرف خفي. كان يداعبهم الأمل إن يترك ذاك الموظف بقايا من طعام يسدا به جوع البطن. كان اللعابُ يسيلُ من أفواههم وهما يبصران قطع الخبز المُفتَّت وقد رُشت بالدَّمعة وكلَّلت هاماتها قطع اللحم الصغيرة.ورشت بعصير الشطة الحمراء الممذوج بعصير الليمون.
صاحب المطعم يعرف هؤلاء التلاميذ. هم من النازحين واللاجئين الذين يسكنون في معسكرات تطوِّق خصر تلك المدينة. هو يعرف إنهم لايملكون ثمن وجبة الفطور، وإذا كانوا يملكونه فهم يريدون إنفاقه في أشياء أخرى. طالما طردهم صاحب المطعم ذاك، لكنهم كانوا يعودون كل مرة وهم أشدَّ إصراراً، مثل أغنام تحوم حول حديقة منزلية منتظرة أن يدخل أو يخرج أحدهم ويترك خلفه الباب مفتوحاً لتتسلل خلسة.. صاحب المطعم يعرف إن الزبائن لايحبون أن يأكلوا بينما هناك أعين تراقبهم.. لأنهم يعتقدون، مثل كل الناس، إن اللقمة حينئذٍ تتحوَّل لجمرة تنحدر وتحرق أحشاءهم. لكن أولئك التلاميذ يتركون الصحون نظيفة لامعة،فلايحتاج عامل غسل الصحون لجهد كبير، ولاتتخلف فضلات لتحمل وتُرمى في برميل الأوساخ. ويبدو أن هناك نوع من التواطوء الخفي أو الإتفاقية غير المكتوبة بين صاحب المطعم ذاك وأولئك التلاميذ، أهم بنودها أن يبقوا بعيداً، وبعدما ينصرف الزبون يأتون في هدوء ويأكلون باقي الطعام.
آخيراً نهض الموظَّف من مائدة الأكل. ولحسن حظ التلميذين، ترك ذاك الموظّف في الصحن بقية من الطعام تعادل ربع الكميّة.. ليس لأنه شبع تماماً من الأكل، لكن يبدو إن حلمات التذوُّف في لسانه لم تستسغ طعم الأكل.
سار ذاك الموظف لمكان غسْل الأيدي، وشرع في فتح صنبور الماء. تحرك التلميذان نحو بقايا الطعام. وقبل أن يصلا، قفزت فجأة ثلاث قطط من تحت طاولات المطعم، وهجمت على ماتبقى من طعام الموظف وراحت تلتهمه بشراهة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.