عادل أحمد محمد
بينما أقف أرقب السماء وهي تكتسي بغيوم ثقيلة، كأنها تحمل في جوفها وعداً بمطر طال انتظاره، يعود بي الزمن إلى مئة جمعة مضت. مئة جمعة ليست مجرد محطات في رزنامة الأيام، بل صفحات كُتبت بمداد الألم، وسطور حفرتها الـح.رب في وجدان السودانيين قبل أن تحفرها في جدران البيوت والطرقات.
كانت هذه الجمعات شاهدة على وطن تبدلت ملامحه، وعلى مدن غادرها الضجيج ليحل محله الصمت، وعلى أحياء كانت تضج بالحياة فأصبحت تبحث عن صوت طفل، أو ضحكة أم، أو أذان مسجد يعيد إليها شيئاً من الطمأنينة. كانت شاهدة على أسر تفرقت بين المنافي ومراكز النزوح، وعلى آباء حملوا أبناءهم بحثاً عن الأمان، وعلى أمهات تركن خلفهن ذكريات العمر كله، وخرجن وهن لا يحملن سوى الدعاء.
ولم تكن الـح.رب مجرد أصوات رصاص أو انفجارات، بل كانت امتحاناً قاسياً للضمير الإنساني. ففي أوقات الفتن تتساقط الأقنعة سريعاً، ويظهر الناس على حقيقتهم. رأينا من انحاز إلى الإنسان، ورأينا من انحاز إلى السلاح، ورأينا كيف يمكن للدعاية أن تحاول تزييف الوعي، وكيف تستطيع الحقيقة، مهما حوصرت، أن تجد طريقها إلى النور.
لقد كانت هذه المئة جمعة غربالاً كبيراً، غربل المواقف قبل الأشخاص، وكشف المعادن الحقيقية. أدرك كثيرون أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، وأن العدالة لا تتحقق بالانتقام، وأن الدم السوداني أغلى من أن يكون وقوداً لصراعات السلطة أو رهينة لحسابات السياسة.
تعلمنا خلال هذه الرحلة أن النضال ليس خطاباً يُلقى، ولا منشوراً يُكتب، بل موقف يُدفع ثمنه صبراً وثباتاً. وأن الكلمة الحرة قد تبدو ضعيفة أمام هدير البنادق، لكنها تبقى أطول عمراً من صوت الرصاص، لأنها تخاطب العقل والضمير، بينما يخاطب العنف الخوف وحده.
ورغم كل ما حدث، فإن السودان لم يفقد روحه. فما زال الناس يتقاسمون رغيف الخبز في مراكز الإيواء، ويتقاسمون الدعاء قبل الطعام، ويصنعون من أبسط الإمكانات أسباباً للحياة. وما زال المعلم يحلم بعودة تلاميذه إلى الفصول، والطبيب ينتظر أن يعود المستشفى مكاناً للعلاج لا ملجأً للخائفين، والمهندس يحلم بيوم تعود فيه رافعات البناء لتعلو فوق أصوات المدافع، والفلاح ينتظر موسماً يزرع فيه الأرض بدلاً من أن يزرع الخوف في قلبه.
إن الأوطان لا تنهار حين تتصدع مبانيها، وإنما حين يفقد أهلها الإيمان بإمكان النهوض. والسودانيون، رغم كل ما أصابهم، لم يفقدوا تلك القدرة العجيبة على صناعة الأمل من قلب المحنة. وما زالت الابتسامة تجد طريقها إلى الوجوه، وما زالت المجالس تمتلئ بالدعاء، وما زالت القلوب تؤمن بأن هذه البلاد تستحق مستقبلاً أفضل.
وأنا أنظر إلى الغيوم المتراكمة، لا أراها مجرد سحب عابرة، بل أقرأ فيها رسالة من الطبيعة نفسها، أن الأرض التي صبرت على العطش لا بد أن يأتيها المطر، وأن الأشجار التي أنهكها الجفاف ستلبس ثوبها الأخضر من جديد، وأن الفصول لا تبقى على حال. وكذلك الأوطان، تمرض لكنها لا تموت، وتتعب لكنها لا تستسلم، ما دام في أهلها من يتمسك بالأمل ويؤمن بقيمة العمل.
لقد علمتنا هذه المئة جمعة أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع. وأن العدالة قد تتعثر، لكنها لا تموت. وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها، وتتعلم من أخطائها، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل مختلف.
ولذلك، فإن الواجب اليوم ليس أن نتبادل الاتهامات، بل أن نتبادل المسؤولية. ليس أن نورث أبناءنا الكراهية، بل أن نورثهم وطناً يتسع للجميع، تُصان فيه كرامة الإنسان، ويعلو فيه القانون، وتكون المواطنة هي المعيار الذي يجمع ولا يفرق.
ومع طي الصفحة رقم مئة من هذا الملف الثقافي، لا أشعر أننا بلغنا نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة. مرحلة يكون فيها الوعي أكثر حضوراً من الانفعال، والحكمة أقوى من الغضب، والحوار أوسع من ساحات القتال.
لقد كتبنا طوال هذه الرحلة لنقاوم النسيان، ولنوثق الألم، ولنقول إن الحقيقة تستحق من يدافع عنها بالكلمة كما يدافع عنها الشرفاء بالمواقف. فإذا كانت الـح.رب قد حاولت أن تمزق الجغرافيا، فإن الكلمة الصادقة قادرة على أن تحفظ الذاكرة، وأن تبقي الوطن حياً في ضمير أبنائه.
واليوم، بعد مئة جمعة، لا نحتفل بالوجع، بل نحيي صبر الأمهات، وصمود الآباء، وشجاعة الشباب، ونترحم على من رحلوا، ونتمنى الشفاء للجرحى، والعودة للنازحين، والأمان للأطفال الذين يستحقون أن يرثوا سوداناً مختلفاً، لا يعرف الـح.رب إلا في كتب التاريخ.
ومن هنا، حيث تتلبد السماء بغيوم تبشر بالمطر، أجدد يقيني بأن بعد كل قحط خصباً، وبعد كل ليل فجراً، وبعد كل محنة منحة لمن أحسن قراءة الدرس.
فالمئة الأولى كانت مئة الصبر والاختبار، أما المئة القادمة فلتكن مئة البناء والوعي، ومئة استعادة الإنسان السوداني لحقه في وطن يسوده السلام، وتظله العدالة، ويحكمه القانون.
فالأوطان لا يبنيها المنتصرون في الـح.روب! بل يبنيها المنتصرون على الكراهية، والمنتصرون للحق، والمنتصرون للإنسان.
إن أمانة هذا الوعي الذي تشكل في رحم المعاناة، لا بد أن تنتقل بصدق إلى جيل جديد، جيل لم يجد وطناً جاهزاً كما وجدناه، بل أدرك مبكراً أن الوطن مشروع يبدأ بالكلمة، ويمر بالصبر، وينتهي بالبناء. إنهم يرون في مئة جمعة هذه درساً لن ينسوه، ليكونوا هم حراس المستقبل الذين يرفضون أن يعيدوا أخطاء من سبقوهم.
ذلك هو الحلم الذي يستحق أن نكتب من أجله، وأن نعمل من أجله، وأن نورثه للأجيال القادمة.
وما دام في السودان قلب ينبض بحب الوطن، وعقل يؤمن بالحقيقة، ويد تمتد لبناء السلام، فإن الغد سيأتي، وسيحمل معه المطر الذي تنتظره الأرض، والفجر الذي ينتظره الوطن.
#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Leave a Reply