مئة عدد… ومسيرة من الوفاء للثقافة

صحيفة الهدف

د. الشيخ فرح

ليس الوصول إلى العدد المئوي مجرد رقم يُضاف إلى سجل الإصدارات، ولكن هو محطة تستحق التوقف عندها، لأنها تحكي عن رحلة من العمل الدؤوب والإيمان العميق برسالة الثقافة ودورها في بناء الوعي وإثراء الحياة الفكرية.

لا شك أن الثقافة ليست ترفًا، ولا تمضية وقت فراغ، بل ضرورة حضارية، قادرة على إحداث أثر إيجابي في الفرد والمجتمع. ومن وجهة نظري أن الملف قد احتفى بالشعر والرواية والقصة، وواكب الحركة النقدية، وفتح نوافذ وإضاءات على الفنون البصرية والمسرح والسينما والترجمة والفكر، مؤكدًا أن الثقافة منظومة متكاملة تتغذى من التنوع والحوار.

ظل هذا الملحق الثقافي مساحة رحبة للكلمة الجادة، ومنبرًا للمبدعين والباحثين والمفكرين، وجسرًا يصل بين التراث والحداثة، وبين التجارب المحلية والآفاق الإنسانية الواسعة. وقد استطاع عبر تنوع موضوعاته وانفتاحه على مختلف الفنون والآداب، أن يرسّخ حضوره في المشهد الثقافي السوداني والعربي، وأن يكون شاهدًا على التحولات الإبداعية والفكرية التي شهدتها الساحة الثقافية.

وإذا كان النجاح يُقاس بالاستمرارية، فإن بلوغ العدد المئوي يعكس ثمرة جهود متواصلة بذلها رؤساء التحرير، وهيئة التحرير، والكتاب، والمحررون، والمصممون، وكل من أسهم في خروج هذا الملحق بالصورة التي تليق برسالته. كما يعكس ثقة القراء الذين كانوا، ولا يزالون، الشريك الحقيقي في هذه المسيرة.

مئة عدد هي قصة نجاح لا شك، لكنها أيضًا مسؤولية لمواصلة الدفاع عن الثقافة بوصفها ركيزة من ركائز صنع الإنسان السوي والجاد والنافع لنفسه ومجتمعه.

ومن أبرز ما ميّز هذا الملحق الثقافي أنه على الرغم من صدوره عن مجلة تحمل هوية سياسية معروفة، حافظ في صفحاته الثقافية على مساحة من الانفتاح والتعدد، فاحتضن أقلامًا من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، وجعل من الثقافة فضاءً للحوار والإبداع بعيدًا عن ضيق الاصطفافات. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ حضوره بوصفه منبرًا يحترم الكلمة المبدعة دون النظر إلى هوية كاتبها أو انتمائه الفكري أو السياسي.

فنبارك لكل المساهمين في إصدار الملحق الثقافي بلوغه العدد المئوي، ولتكن هذه المناسبة حافزًا لمواصلة العطاء، والجودة، والموضوعية، والانفتاح على الإبداع والمبدعين.

وختاماً: للملحق الثقافي مكانة خاصة في نفسي، إذ كان له فضل كبير في مسيرتي الأدبية، حين فتح صفحاته لنشر عدد من نصوصي، ومنحني فرصة التواصل مع القراء والوسط الثقافي في وقت قلّ فيه التواصل الورقي والأسفيري بسبب ما تشهده البلاد من حـ.رب ونزوح.

لذلك فإن احتفائي ببلوغه العدد المئوي ليس مجرد تهنئة لإصدار ثقافي ناجح، بل هو أيضًا تعبير عن امتنان شخصي لمنبر آمن بالكلمة، واحتضن التجارب الإبداعية، وأسهم في تشجيعها وإبرازها.

#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.