الناطق الرسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي رئيس اللجنة الاقتصادية م. عادل خلف الله لـ”الملف الاقتصادي” – (1)

صحيفة الهدف
  • الأزمة الاقتصادية الراهنة ليست وليدة الحرب فحسب، بل هي تتويج لتراكمات تاريخية وسياسية تمتد لعقود.
  • الظاهرة الاستعمارية والدكتاتوريات المتعاقبة (وخاصة حقبة الإنقاذ) رسخت التبعية والانهيار الهيكلي.

  • الحرب الحالية حولت السودان إلى بيئة يتعايش فيها أكثر من نظام اقتصادي وعملتان، مع تراجع القوة الشرائية للعملة بنحو 80%.

  • الدمار المنهجي طال ما بين 60% إلى 80% من البنى التحتية والقطاعات الإنتاجية والخدمية.

 يمر السودان اليوم بأخطر أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، ليست لأن المؤشرات الاقتصادية انهارت فحسب، بل لأن بنية الدولة ذاتها صارت مرهونةً بحرب لا تبدو نهايتها قريبة. فما نرصده اليوم من انهيار في العملة، وتضخم جامح، وتدمير ممنهج للبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، ليس مجرد تداعيات للحرب الراهنة، بل هو تتويج لتراكمات سياسية واقتصادية تمتد لعقود، تتقاطع فيها سياسات التبعية بآفات الفساد، وغياب الاستقرار بتعاقب الديكتاتوريات. في الأجزاء التالية، نضع بين أيديكم هذا الحوار الشامل، حيث يجيب الناطق الرسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي رئيس اللجنة الاقتصادية، الأستاذ عادل خلف الله، عن أسئلة الجوهر حول أزمة الاقتصاد السوداني.

حوار: المحرر الاقتصادي

يمر السودان اليوم بأكبر أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، كيف تصفون طبيعة هذه الأزمة؟

يشئ متن السؤال، مع أهميته، وكأن أزمة الاقتصاد السوداني أفرزتها هذه الحرب التي تؤكد كل ساعة فيها، وبنهج أطرافها، كم هي عبثية ومدمرة. والحقيقة التي يجب الإمساك بتلابيبها لتجاوز تداعياتها، وبما أضافته عليها الحرب، أن أزمة الاقتصاد السوداني قديمة، مركبة، ومتفاقمة، وزادت هذه الحرب طينها بلة، كأكبر أزمة في تاريخ السودان الحديث، ولها جذورها البعيدة والمعاصرة.

هل هي أزمة حرب فقط أم نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية أقدم؟

أن جئت إلى الحق، “أزمة حرب” يمكن أن تكون أحد توصيفات الأزمة الاقتصادية وأحد تجلياتها في الآن معاً، إن كان المقصود بالحرب تلك التي أصبحت الأداة الأكثر شيوعاً في خوض الصراع حول السلطة أو للمشاركة فيها للعديد من الأوساط، مدنية وعسكرية، المزخرفة بشعارات مثل المساواة والعدالة والمشاركة، ببعديهما السياسي، والاقتصادي الاجتماعي، منذ ما عُرف بتمرد كتيبة الاستوائية في جنوب السودان وقبيل الإعلان الرسمي عن استقلال السودان. ودون تناقض مع حقيقة أن لها جذورها البعيدة والمعاصرة.

ما هي أبرز جذور مسببات الأزمة المستمرة حتى اليوم؟

اللافت، وما يستوجب التعمق، أن جذري مسببات الأزمة ما يزالان يفعلان فعل السحر في تفاقمها واستمرارها. ودون إطالة نشير إلى: 1/ الظاهرة الاستعمارية، متعددة الأوجه، وما لعبته من تخريب مزدوج، وفق أهدافها، والتي لم تكتف بتحطيم قواعد تطور الاقتصاد الوطني المستقل، وإنما إلحاق الاقتصاد السوداني كتابع ملحق بحلقة دوران اقتصادياتها وبسماتها، مع الفارق الكبير في ذلك الإلحاق والتبعية، في التفاوت ومعدل النمو بين عالمين، والذي خلّف ما عُرف بالتطور الأعرج أو غير المتوازن المرتبط بما عُرف بقانون المناطق المقفولة.

2/ عدم الاستقرار السياسي ومخلفات تطاول أزمنة الديكتاتوريات المتعاقبة، التي اعتبرها حزب البعث صنواً للخراب والفساد، والذي بلغ ذراه في التمكين الإنقاذي 1989-2019 تحت مزاعم “الأسلمة” والمشروع الحضاري والتحرير الاقتصادي، ودون القفز فوق العاهات التي سببها ارتباط سياسات الديكتاتورية العسكرية الأولى 1958-1964 بالنهج الإمبريالي الأمريكي، والذي هبط على أرض السودان بمظلة مبدأ أيزنهاور لملء الفراغ، والتبعات الاقتصادية والاجتماعية لما عُرف بالمصالحة الوطنية 1978 بين نميري وزعماء الجبهة الوطنية (الإمام الصادق المهدي، د. الترابي، مولانا الميرغني) رحم الله المتوفين منهم. ومن أعمق مؤثرات تلك المصالحة حتى الآن: ربط الجنيه السوداني بالدولار الأمريكي والبدء في سياسة خفض سعر الصرف كأحد نواتج الاستجابة الأولى لوصفات صندوق النقد الدولي والتي بلغت 5 تخفيضات قبل أن يسقط نظام مايو بانتفاضة مارس-أبريل، و22 تخفيضاً أبان حكم الإنقاذ، و3 مرات في الفترة الانتقالية ما بعد انتفاضة ديسمبر 2018 التي تبنت أخيراً الخصخصة على نطاق واسع بتحرير سعر الصرف، وثاني مؤثرات تلك “المصالحة” ازدواجية تعاملات الجهاز المصرفي (صيرفة تقليدية وصيرفة إسلامية) استجابة لشروط د. حسن الترابي للمصالحة والتي لخصها في (“أسلمة الاقتصاد” وحرية الدعوة). 3/ تنامي تغلغل الرأسمالية الطفيلية، المرتبطة بالنهج الإنقاذي في شرايين الاقتصاد، وإحكام الجيش والمليشيات والأجهزة الأمنية قبضتها على الاقتصاد الكلي، وتفشي الفساد والإفساد الملازم لكليهما والمحاباة والمحسوبية.

إلى أي مدى أسهمت الحرب في تسريع الانهيار الاقتصادي؟

الحرب ومخاطر استمرارها، والتي أدخلها طور حرب الاستنزاف، لم تسرع وتائر الانهيار الاقتصادي، الذي لا تخطئه عين وفق كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المتعارف عليها، رغم إنكار وعدم اكتراث أطرافها فحسب، وإنما أضحت مهدداً جدياً لكينونة الدولة الوطنية، ووحدتها شعباً وأرضاً، وسلامة حدودها، وتفريطاً غير مسبوق في سيادتها واستقلالها وهدر لثرواتها ومواردها. ومن أبرز تجلياتها السيادية: تعايش أكثر من نظام اقتصادي وسياسي في قطر واحد، وعملتان متداولتان، وعجز البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف وما ينجم عنه من تضخم وتآكل في القوة الشرائية للعملة الوطنية الذي وصل فقدان الجنيه لنحو 80% من قوته الشرائية (من 590 جنيهاً مقابل الدولار في أبريل 2023 إلى 5300 جنيه مقابل الدولار في 20 يونيو 2026)، وارتفاع قياسي في مستوى أسعار السلع والخدمات وتداعيات ذلك التي لخصتها تقارير الأمم المتحدة في عبارة: (ما يجري في السودان أكبر كارثة إنسانية تعيشها اليوم).

 ما هي المؤشرات والأرقام التي تعكس حجم الكارثة المدمرة التي يعيشها المواطن؟

ترافق ذلك مع النسب العالية لحجم الدمار المخطط له لضرب قواعد الإنتاج الزراعي والصناعي والبنى التحتية وقطاعات الكهرباء والتعليم والصحة والنقل والمعالم الحضارية والثقافية، بما فيها المتاحف والمكتبات والمعامل والصروح الأكاديمية، والتي تراوحت حجم دمارها ما بين 60% إلى 80%، وما يزال الحبل على الجرار وتحت ادعاءات الكرامة والتأسيس والديمقراطية.

(نواصل في الجزء الثاني…)

#عادل_خلف_الله #الحوار_الاقتصادي #اقتصاد_الحرب #السودان #حزب_البعث #الهدف_الاقتصادي #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.